الباب الأول
في تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء
« وفي هذا الباب ثلاثة مباحث »
المبحث الأول
في حقيقة الخبر
الخبرُ هو ما يَحتملُ الصِّدْقَ والكذبَ لذاتهِ (١) .
وإن شئت فقل : الخبرُ هو ما يتحقّق مدلولهُ في الخارج بدون النّطق به نحو : العلم نافعٌ ، فقد أثبتْنَا صفة النّفع للعلم ، وتلكَ الصِّفة ثابتة له ( سواء تلفّظتَ بالجملة السابقة أمْ لم تتلفّظ ) لأنّ نفعَ العلم أمرٌ حاصلٌ في الحقيقة والواقع ، وإنما أنت تحكي ما اتّفق عليه النّاس قاطبةً ، وقضَتْ به الشّرَائعُ وهدتْ إليه العقولُ بدون نظر إلى إثبات جديد .
والمراد بصدق الخبر مُطابقته للواقع ونفس الأمر .
والمراد بكذبه عدم مطابقته له .
فجملة : العلم نافع ـ إن كانت نسبتُه الكلاميَّة ( وهي ثبوت النفع للعلم ) المفهومة من تلك الجملة مُطابقةً للنسبة الخارجيّة ـ أي مُوافقة لِمَا في الخارج والواقع « فصدق » وإلّا « فكذب » نحو « الجهل نافع » فنسبته الكلامية ليست مُطابقة ومُوافقة للنّسبة الخارجيّة (٢) .
____________________
(١) أي بقطع النظر عن خصوص المخبر . أو خصوص الخبر ـ وإنّما ينظر في احتمال الصدق والكذب إلى الكلام نفسه لا إلى قائله : وذلك لتدخل الأخبار الواجبة الصدق أخبار الله تعالى . كأخبار رسله . والبديهيات المألوفة ـ نحو السماء فوقنا ـ والنظريات المتعين صدقها كإثبات العلم والقدرة للمولى سبحانه وتعالى ولتدخل الأخبار الواجبة الكذب كأخبار المتنبئين في دعوى النبوة .
(٢) فمطابقة النسبة الكلامية للنسبة الخارجية ثبوتًا ونفيًا صدق ـ وعدم المطابقة كذب ـ فالنسبة التي دل عليها الخبر وفهمت منه تسمى كلامية . والنسبة التي تعرف من الخارج بقطع النظر عن الخبر تسمى خارجية ـ فحينئذٍ هناك نسبتان نسبة تفهم من الخبر . ويدل عليها الكلام وتسمى النسبة الكلامية ـ ونسبة أخرى تعرف من الخارج بقطع النظر عن الخبر وتسمى النسبة الخارجية .
