مطابق لمقتضَى الحال مع فصاحته في أيِّ معنى قَصَدَه .
وتلك غاية لن يصل إليها إلَّا من أحاط بأساليب العرب خُبرًا وعرف سُنن تخاطبُهم في مُنافراتهم ، ومفاخراتهم ، ومديحهم ، وهجائهم ، وشكرهم واعتذارهم ، لِيَلبُس لكلّ حالة لبُوسها « ولكلّ مقام مقال » .
تمرين
بيّن الحال ومقتضاه فيما يلي :
[ الطويل ]
|
١ ـ هنَاء محَاذاك العزاء المقدِّما |
|
فما عبس المحزونُ حتى تبسَّما |
٢ ـ تقول للرَّاضي عن إثارة الحروب : ( إن الحرب مُتْلِفةٌ للعباد ، ذهَّابَةٌ بالطّارف والتّلاد ) .
٣ ـ يقول الناس إذا رأوا لصًّا أو حريقًا ( لِصٌّ ـ حريق ) .
٤ ـ قال تعالى : ( وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) ) (١) .
____________________
= بليغًا ـ وإذًا لا بدّ للبليغ أولًا من التفكير في المعاني التي تجيش في نفسه ، وهذه يجب أن تكون صادقة ذات قيمة وقوة يظهر فيها أثر الابتكار وسلامة النظر وذوق تنسيق المعاني وحسن ترتيبها ، فإذا تم له ذلك عمد إلى الألفاظ الواضحة المؤثرة الملائمة فألّف بينها تأليفًا يكسبها جمالًا وقوة . فالبلاغة ليست في اللفظ وحده وليست في المعنى وحده ولكنها أثر لازم لسلامة تألّف هذين وحسن انسجامهما . وقد علم أن البلاغة أخص والفصاحة أعم لأنها مأخوذة في تعريف البلاغة ـ وأن البلاغة يتوقف حصولها على أمرين ـ الأول : الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المقصود ، والثاني : تمييز الكلام الفصيح من غيره ـ لهذا كان للبلاغة درجات متفاوتة تعلو وتسفل في الكلام بنسبة ما تراعي فيه مقتضيات الحال وعلى مقدار جودة ما يستعمل فيه من الأساليب في التعبير والصور البيانية والمحسنات البديعية . وأعلى تلك الدرجات ما يقرب من حدّ الإعجاز ، وأسفلها ما إذا غيّر الكلام عنه إلى ما هو دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات العجم وإن كان صحيح الإعراب وبين هذين الطرفين مراتب عديدة .
(١) سورة الجن : الآية ١٠ .
____________________
١ ـ الحال هنا هو تعجيل المسرة ـ والمقتضى هو تقديم الكلمة الدالة على السرور ـ « وهي كلمة هناء » .
٢ ـ الحال هنا هو إنكار الضرر من الحرب ـ والمقتضى هو توكيد الكلام .
٣ ـ الحال هنا هو ضيق المقام ـ والمقتضى هو الاختصار بحذف المسند إليه والتقدير . هذا لص . هذا حريق .
٤ ـ الحال في ( أَشَرٌّ أُرِيدَ ) هو عدم نسبة الشر إلى الله تعالى . والمقتضى هو حذف الفاعل إذ الأصل : أشر أراده الله بمن في الأرض .
=
