الباب الأول
في المحسنات المعنوية
١ ـ التورية (١)
التّورية لغة مصدر ورّيت الخبر تورية إذا سترته ، وأظهرت غيره واصطلاحًا ـ هي
____________________
(١) التورية أن يطلق لفظ له معنيان . أحدهما قريب . والآخر بعيد فيراد البعيد منهما ، ويورّى عنه بالقريب .
وتنقسم التورية إلى أربعة أقسام ـ مجردة . ومرشحة . ومبينة . ومهيأة .
١ ـ فالمجردة ـ هي التي لم تقترن بما يلائم المعنيين كقول الخليل لما سأله الجبار عن زوجته : فقال « هذه أختي » ، أراد أخوة الدّين وكقوله : ( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ) [ الأنعام : ٦٠ ] .
٢ ـ والمرشحة ـ هي التي اقترنت بما يلائم المعنى القريب وسمِّيت بذلك لتقويتها به لأن القريب غير مراد فكأنه ضعيف فإذا ذكر لازمه تقوّى به نحو ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ ) [ الذاريات : ٤٧ ] فإنه يحتمل الجارحة وهو القريب ، وقد ذكر من لوازمه البنيان على جهة الترشيح ويحتمل القدرة وهو البعيد المقصود ، وهي قسمان باعتبار ذكر اللازم قبلها أو بعدها .
٣ ـ والمبنية ـ هي ما ذكر فيها لازم المعنى البعيد ـ سميت بذلك لتبيين المورّى عنه بذكر لازمه ، إذ كان قبل ذلك خفيًا ، فلما ذكر لازمه تبيّن ، نحو : [ الخفيف ]
|
يا من رآني بالهموم مطوقًا |
|
وظلت من فقدي غصونًا في شجون |
|
أتلومني في عظم نوحي والبكا |
|
شأن المطوق أن ينوح على غصون |
وهي أيضًا قسمان باعتبار ذكر اللازم قبل أو بعد .
٤ ـ والمهيأة ـ هي التي لا تقع التورية فيها إلا بلفظ قبلها أو بعدها ، فهي قسمان أيضًا فالأول ـ وهو ما تتهيأ بلفظ قبل ، نحو قوله : [ الطويل ]
|
وأظهرت فينا من سماتك سنّة |
|
فأظهرت ذاك الفرض من ذلك النّدب |
فالفرض والندب معناهما القريب الحكمان الشرعيان ، والبعيد : الفرض معناه العطاء والندب الرجل السريع في قضاء الحوائج ، ولولا ذكر السُّنة لما تهيأت التورية ولا فُهم الحكمان .
والثاني ـ وهو ما
تتهيأ بلفظ بعد : كقول الإمام على رضي الله تعالى عنه في الأشعث بن قيس أنه كان يحرك الشمال باليمين ، فالشمال معناها القريب ضد اليمين ، والبعيد جمع شملة ،
ولولا ذكر =
