الدُّعاء لشخص بالسّرُور أن يقال له جمُدت عينك ، أو لا زالت عينك جامدةً . بل المعروف عندهم أنَّ جمود العين إنَّما يكْنى به عن عدم البكاء حالة الحزن ، كما في قول الخَنْساء :
[ المتقارب ]
|
أعَينيّ جُودا وَلَا تَجمُدا |
|
ألَا تبكيانِ لصَخْرِ النَّدَى |
وقول أبي عطاءٍ يرثي ابن هُبيرة :
[ الطويل ]
|
ألا إِنَّ عَيْنًا لم تجُد يَوْمَ وَاسِطٍ |
|
عليكَ بجارِي دمعَها لَجمودُ (١) |
وهكذا كل الكِنايات التي تستعملها العرب لأَغراض ويُغَيّرها المتكلم ويريد بها أغراضًا أخرى تُعتبر خروجًا عن سُنن العرب في استعمالاتهم ويُعد ذلك تعقيدًا في المعنى حيث لا يكون المراد بها واضحًا .
الخامس : ( كثرة التّكرار ) (٢) : كون اللّفظ الواحد اسمًا كان أو فعلًا أو حرفًا ، وسواء أكان الاسم ظاهرًا أو ضميرًا ، تَعدّد مرَّة بعد أخرى بغير فائدة ـ كقوله :
[ الرجز ]
|
إنّي وأسطارٍ سُطرنَ سَطْرا |
|
لَقائلٌ يا نصرُ نصرُ نصرَا |
وكقول المتنبي :
[ البسيط ]
|
أقِلْ أنِلْ أقطعْ احملْ علَّ سلَّ أعِدْ |
|
زِدْ هَشّ بَش تفضّلْ أدِنِ سُرَّصل |
وكقول أبي تمَّام في المديح :
[ البسيط ]
|
كأنَّه في الاجتماع الرُّوح فيه لَهُ |
|
في كلِّ جارحةٍ من جسمِهِ رُوحُ |
____________________
= وحذف جميع هذه الوسائط فأورث بطء الانتقال من المعنى الأصلي الحقيقي إلى المعنى المراد ـ وخالف حينئذٍ أسلوب البلغاء . فنشأ من ذلك التعقيد المعنوي . واعلم أن الشاعر أراد أن يرضى بالبعد والفراق ، ويعود نفسه على مقاساة الأحزان والأشواق ، ويتحمّل من أجلها حزنًا يفيض من عينيه الدموع ليتوصّل بذلك إلى وصل يدوم ومسرة لا تزول ـ على حد قول الشاعر : [ الكامل ]
|
ولطالما اخترتُ الفراق مغالطًا |
|
واحتلت في استثمار غرس ودادي |
|
ورغبت عن ذكر الوصال لأنها |
|
تبني الأمور على خلاف مرادي |
(١) أي لبخيلة بالدموع .
(٢) المراد بالكثرة ههنا ما فوق الوحدة ـ فذكر الشيء ثانيًا تكرار . وذكره ثالثًا كثرة ، وإنما شرطت الكثرة لأن التكرار بلا كثرة لا يخل بالفصاحة ـ وإلا لقبح التوكيد اللفظي .
