[ الطويل ]
|
يَغضونَ فَضْلَ اللحْظِ مِنْ حَيْثُ مَا بَدَا |
|
لَهُمْ عَنْ مَهِيبٍ فِي الصُّدُورِ مُحَبَّب |
فإِنه كَنى عن إكبار الناس للممدوح وهَيْبَتِهِم إيَّاه بِغَضِّ الأبصار الذي هو في الحقيقة برهان على الهيبة والإجلال ، وتظهر هذه الخاصة جلية في الكنايات عن الصفة والنسبة .
ومن أسباب بلاغة الكنايات أنّها تَضَعَ لك المعاني في صورة المُحَسَّات ولا شك أنّ هذه خاصة الفنون ، فإِنّ المصوِّر إذا رَسَمَ لك صورة للأمَل أو لليأس بَهَرَك وَجعلَك ترى ما كنت تَعْجز عن التعبير عنه واضحًا ملموسًا .
فمثل « كثير الرماد » في الكناية عن الكرم « ورَسُول الشرِّ » في الكناية عن المِزَاح ـ وقول البحتري :
[ الكامل ]
|
أَوَمَا رَأَيْتَ المجْدَ أَلْقَى رَحْلَهُ |
|
فِي آلِ طَلْحَةَ ثُمَّ لَمْ يَتَحَوَّلِ |
في الكناية عن نسبة الشرف إلى آل طلحة ، كلُّ أولئك يُبرز لك المعاني في صورة تشاهدها وترتاح نفسك إليها .
ومن خواص الكناية أنها تمكِّنك من أن تَشْفِيَ غُلّتك من خَصمك من غير أن تجعل له إليك سبيلًا ، ودون أن تَخْدِش وجه الأدب ، وهذا النوع يسمى بالتعريض ، ومثاله قول المتنبي في قصيدة يمدح بها كافورًا ويعَرَّض بسيف الدولة :
[ الطويل ]
|
رَحَلْتُ فَكمْ باكٍ بأجْفانِ شَادِنٍ |
|
عَلَيَّ وَكَمْ باكٍ بأجْفانٍ ضَيْغَمِ (١) |
|
وَمَا رَبةُ الْقُرْطِ المَلِيحِ مَكَانُهُ |
|
بِأَجْزَعِ مِنْ رَبِّ الحُسَامِ المُصممِ (٢) |
|
فَلَوْ كَانَ ما بِي مِنْ حَبِيبٍ مُقَنَّعِ |
|
عذَرْتُ وَلكِنْ من حبيبٍ مُعَمَّمِ |
|
رَمَىٰ واتَّقى رَميي ومِنْ دُون ما اتَّقى |
|
هَوًى كاسرٌ كفِّي وقوْسي وأسْهُمي |
|
إذا ساءَ فِعْلُ المرءِ ساءَتْ ظُنُونُهُ |
|
وصَدَّقَ ما يَعْتَادُه مِنْ تَوَهّمِ |
فإنه كَنى عن سيف الدولة أولًا بالحبيب المُعَمَّم ، ثم وصفه بالغدر الذي يَدَّعَي أنه من شِيمِةَ النساء ، ثم لامَهُ على مبادهته بالعُدوان ، ثم رماه بالجبن لأنه يَرْمي ويتّقي
____________________
(١) الشادن ولد الغزال ، والضيغم الرجل الشجاع . يقول : كم من نساء ورجال بكوا على فراقي وجزعوا لارتحالي .
(٢) القُرط ما يعلق في شحمة الأذن ، والحسام السيف القاطع ، والمصمم الذي يصيب المفاصل ويقطعها ، يقول لم تكن المرأة الحسناء بأجذع على فراقي من الرجل الشجاع .
