عن كذا ـ إذا تركت التصريح به واصطلاحًا ـ لفظ أُطلق وأُريد به لازمُ معناه مع قرينة لا تَمنعُ من إرادة المعنى الأصلي نحو «زيد طويل النِّجاد » تُريد بهذا التركيب أنه شجاع عظيم ، فعدلتَ عن التصريح بهذه الصفة إلى الإشارة إليها والكناية عنها لأنه يلزم من طول حِمَالة السيف طول صاحبه ، ويلزم من طول الجسم الشجاعة عادة ، فإِذًا المراد طول قامته وإن لم يكن له نِجاد ، ومع ذلك يصح أن يُراد المعنى الحقيقي ـ ومن هنا يُعلَم أنّ الفرقَ بين الكناية والمجاز صحة إرادة المعنى الأصلي في الكناية ، دون
____________________
=
بأكل الإنسان لحم الإنسان . وهذا شديد المناسبة لأن الغيبة إنما هي ذكر مثالب الناس وتمزيق أعراضهم ـ وتمزيق العرض مماثل لأكل الإنسان لحم من يغتابه ومن أمثال العرب قولهم لبستُ لفلان جلد النمر ، وجلد الأرقم ـ كناية عن العداوة وكذلك قولهم : قلبت له ظَهر المِجَنّ كناية عن تغيير المودة . ويقول القوم ـ فلان بريء الساحة ، إذا بَرِّؤوه من تهمة ـ ورحب الذراع ، إذا كان كثير المعروف ـ وطويل الباع في الأمر ، إذا كان مقتدرًا فيه ـ وقويّ الظهر ، إذا كثر ناصروه . ومن ذلك أن المنصور كان في بستان له أيام محاربته إبراهيم بن عبد الله بن الحسن فنظر إلى شجرة خلاف فقال للربيع ، ما هذه الشجرة ؟ فقال طاعة يا أمير المؤمنين . فتفاءل المنصور به ، وعجب من ذكائه . ومثل ذلك : أن جلًا مر في صحن دار الرشيد ومعه حزمة خيزران ، فقال الرشيد للفضل بن الربيع ما ذاك ؟ فقال : الرماح يا أمير المؤمنين ، وكره أن يقول « الخيزران » لموافقته اسم والدة الرشيد ومن كلامهم « فلان طويل الذيل » يريدون أنه غني حسن الحال . وعليه قول الحريري : [ البسيط ]
|
إن الغريب الطويل الذيل ممتهن |
|
فكيف حال غريب ما له قوت |
وكذلك قولهم : فلان طاهر الثوب ـ أي منزه عن السيئات . وفلان دلس الثوب أي متلوث بها قال امرؤ القيس : [ الطويل ]
|
ثياب بني عوف طهارة نقية |
|
وأوجههم عند المشاهد غُرّات |
ويقولون : فلان غمر الرداء ـ إذا كان كثير المعروف عظيم العطايا . قال كثير : [ الكامل ]
|
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكًا |
|
غلقت لضحكته رقاب المال |
ومن الكنايات اللطيفة ما ذكرها الأدباء في الشيب والكبر فيقولون : عرضت لفلان فترة ، وعرض له ما يمحو ذنوبه . وأقمر ليله ، ونوّر غصن شبابه . وفضض الزمان أبنوسه ـ وجاءه النذير . وقرع ناجذ الحلم . وارتاض بلجام الدهر . وأدرك زمان الحنكة . ورفض غرة الصبا . ولبّى دواعي الحِجى . ومن كناياتهم عن الموت : استأثر الله به . وأسعده بجواره . ونقله إلى دار رضوانه ومحل غفرانه ، واختار له النقلة من دار البوار إلى دار الأبرار . ومن الكنايات أيضًا أن يقام وصف الشيء مقام اسمه كما ورد في القرآن ( وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) ) [ القمر : ١٣ ] يعني السفينة فوضع صفتها موضع تسميتها كما ورد ( إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) ) [ ص : ٣١ ] يعني الخيل . وقال بعض المتقدمين : [ السريع ]
|
سألت قتيبة عن أبيها صحبة |
|
في الروح هل ركب الأغر الأشقرا |
يعني هل قتل ، لأن الأغر الأشقر وصف الدم فأقامه مقام اسمه .
