رَوْعَتُهَا ما تَضَمَنَهَ الكلام من تشبيهٍ خفيٍّ مستور .
انظر إلى قول البُحتُري في الفَتْحِ بن خاقان :
[ البسيط ]
|
يَسْمُو بكَفٍّ عَلى الْعَافِينَ حانِية |
|
تَهمى وَطَرفٍ إلى الْعَليَاءِ طمّاح |
ألست ترى كفه وقد تمَثّلت في صورة سحابة هِتَّانَة تَصبُّ وَبْلَها على العافين والسائلين ، وأنِّ هذه الصورة قد تَمَلّكَتْ عليك مشاعرك فأذْهَلَتك عمّا اختبأ في الكلام من تشبيه ؟
وإذا سمعتَ قوله في رثاء المتوكل وقد قُتلَ غِيلة :
[ الطويل ]
|
صَرِيعٌ تَقاضَاهُ اللّيَالي حشَاشَةً |
|
يَجُودُ بِهَا والْمَوْتُ حُمْرٌ أظَافِرُه (١) |
فهل تستطيع أن تُبْعِد عن خيالك هذه الصورة المخيفة للموت ، وهي صورة حيوان مفترس ضُرِّجَتْ أظفارهُ بدماء قتلاه ؟
لهذا كانت الاستعارة أبلغَ من التشبيه البليغ ، لأنه وإن بُني على ادعاء أن المشبهَ والمشبهَ به سواء لا يزال فيه التشبيه مَنْويًّا ملحوظًا .
بخلاف الاستعارة فالتشبيه فيها منسي بجحود ، ومن ذلك يظهر لك أن الاستعارة المرشحة أبلغ من المطلقة ، وأن المطلقة أبلغ من المجردة .
أما بلاغة الاستعارة من حيث الابتكار ، وروعة الخيال ، وما تحدثه من أثر في نفوس سامعيها ، فمجال فسيح للإبداع ، وميدان لتسابق المجيدين من فرسان الكلام أنظر إلى قوله عز شأنه في وصف النار :
( تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) ) (٢) .
ترتسم أمامك النار في صورة مخلوق ضخم ، بطّاش مكفهر الوجه ، عابس يغلي صدره حقدًا وعيظًا ـ عن البلاغة الواضحة .
____________________
(١) الصريح المطروح على الأرض ، وتقاضاه أصله تتقاضاه حذفت إحدى التاءين ، وهو من قولهم : تقاضى الدائن دينه إذا قبضة ، والحشاشة بقية الروح في المريض والجريح ـ يصفه بأنه ملقى على الأرض يلفظ النفس الأخير من حياته .
(٢) سورة الملك : الآية ٨ .
