قبلها ـ كقوله تعالى : ( فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ) (١) . وكقوله تعالى : ( ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (٢) ) (٢) .
الثاني : علم ممّا تقدَّم أن من مواضع الوصل اتفاق الجملتين في الخبرية والإنشائية ، ولا بدَّ مع اتفاقهما من جهة بها يتجاذبان ، وأمر جامع به يتآخذان ، وذلك الجامع إمّا عقلي (٣) أو وَهْمي (٤) أو خَيالي (٥) .
____________________
(١) سورة الأعراف : الآية ٤ .
(٢) لما كان قوله ذلك الكتاب ، فيه مظنة مجازفة بسبب ايراد المسند إليه اسم إشارة ـ والمسند معرفًا بأل ـ أكده بقوله ( لا ريب فيه ) تأكيدًا معنويًا .
ولما كانت الدعوى المذكورة مع ادعاء عدم المجازفة مظنة استبعاد ـ أكده بقوله « هدى للمتقين » تأكيدًا لفظيًا حتى كأنه نفس الهداية ، سورة البقرة : الآية ٢ .
(٣) فالجامع العقلي ـ أمر بسببه يقتضي العقل اجتماع الجملتين في القوة المفكرة كالاتحاد في المسند أو المسند إليه ـ أو في قيد من قيودهما ـ نحو زيد يصلي ويصوم ويصلي زيد وعمرو . . وزيد الكاتب شاهر . وعمرو الكاتب منجم . وزيد كاتب ماهر ، وعمرو طبيب ماهر ـ وكالتماثل والاشتراك فيهما ـ أو في قيد من قيودهما أيضًا بحيث يكون التماثل له نوع اختصاص بهما أو بالقيد ـ لا مطلق تماثل ـ فنحو زيد شاعر وعمر وكاتب لا يحسن إلّا إذا كان بينهما مناسبة لها نوع اختصاص بهما ـ كصداقة أو أخوة أو شركة أو نحو ذلك ـ وكالتضايف بينهما . بحيث لا يتعقل أحدهما إلا بالقياس إلى الآخر كالأبوة مع النبوة ـ والعلة مع المعلول ـ والعلو والسفل ـ والأقل والأكثر ـ إلى غير ذلك .
(٤) والجامع الوهمي ـ أمر بسببه يقتضي الوهم اجتماع الجملتين في المفكرة كشبه التماثل الذي بين نحو لوني البياض والصفرة ـ فإن الوهم يبرزهما في معرض المثلين من جهة أنه يسبق إليه أنهما نوع واحد زائد في أحدهما عارض ـ بخلاف العقل فإنه يدرك أنهما نوعان متباينان داخلان تحت جنس واحد هو اللون ـ وكالتضاد بالذات ـ وهو التقابل بين أمرين وجوديين بينهما غاية الخلاف ـ يتعاقبان على محل واحد ـ كالسواد والبياض ـ أو التضاد بالعرض كالأسود والأبيض ـ لأنهما ليسا ضدين لذاتهما لعدم تعاقبهما على محل واحد ـ بل بواسطة ما يشتملان عليه من سواد وبياض ـ وكشبه التضاد كالسماء والأرض ـ فإن بينهما غاية الخلاف ارتفاعًا وانخفاضًا لكن لا يتعاقبان على محل واحد كالتضاد بالذات ، ولا على ما يشمله كالتضاد بالعرض .
(٥) والجامع الخيالي ـ أمر بسببه يقتضي الخيال اجتماع الجملتين في المفكرة بأن يكون بينهما تقارن في الخيال سابق على العطف لتلازمهما في صناعة خاصة ، أو عرف عام ـ كالقدوم والمنشار والمنقاب في خيال النجار .
والقلم والدواة ،
والقرطاس في خيال الكاتب ـ وكالسيف والرمح والدرع في خيال المحارب ـ وهلم جرا وللقرآن الكريم اليد البيضاء في هذا الباب ـ كقوله تعالى : (
أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى
الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)
)
[ الغاشية : ١٧ ـ ٢٠ ] ـ فالمناسبة بين الإبل والسماء ـ وبينهما وبين الجبال
والأرض غير موجودة =
