وهو من الصبر الذي هو المر المعروف لأنه تجرع مرارة الحق بحبس النفس عن الخروج إلى المشتهى مع الزاجر المعتبر من الشرع والعقل ، فهو أكره شيء إلى النفس ، والمعين عليه ما في استشعار لزوم الحق من العز والأجر بالطاعة والعلم بما يعقب من الخير في كل وجه وعادة النفس له ، وقد غلب إطلاقه على الحق حتى لا يجوز إطلاقه إلا فيه ـ قاله الرماني.
ولما كان ما تقدم كله مشيرا إلى استبعاد إيمان المعاندين بشيء من تدبير آدمي كما تكاد القصص تنطق به ، وكذا الإعلام بأن عبادتهم إنما هي للتقليد وباختلاف قوم موسى في كتابه الذي هو هدى ورحمة ، وكل ذلك فطما عن طلب ما قد يهجس في الخاطر من تمني إجابتهم إلى ما يقترحون أو الكف عن بعض ما يغيظ من الإنذار ، وكان من طبع البشر البعد عن الانتهاء عن الخواطر إلا بعد التجربة ، كان ذلك ربما أوجب أن يقال : لو أجيبوا إلى سؤالهم لربما رجعوا عن كثير مما هم فيه ، فدعاهم ذلك إلى الرشاد ، فتسبب عنه أن يقال دفعا له : (فَلَوْ لا كانَ) ويجوز أن يكون مناسبتها أنه لما ذكر إهلاك القرون الماضية والأمم السالفة بما مضى إلى أن ختم بالأمر بالصبر على الإحسان من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كان من الجائز أن يقع في فكر الاعتراض بأن يقال : ما الموجب لذلك؟ فبين أن سبب الهلاك الإعراض عن نهي منتهك الحرمات والمجترىء على هتك الأستار الجليلة والرتع في الحمى مع تمكنهم بما أودع فيهم سبحانه من القوى والقدرة على اختيار جانب الخير والإعراض عن جانب الشر فقال تعالى : (فَلَوْ لا) بصيغة تحتمل التخصيص ، وفيها معنى التفجع والتأسف لاعتبار كل من كان على مثل حالهم (مِنَ الْقُرُونِ) أي المهلكين الأشداء الكائنين في زمان ما.
ولما كان المراد القرون التي تقدم ذكر إهلاكها ، وكانت أزمنتهم بعض الزمان الماضي ، أتى بالجار فقال : (مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا) أي أصحاب (بَقِيَّةٍ) أي حفظ وخير ومراقبة لما يصلحهم ، لأن مادة «بقي» تدور على الجمع ، ويلزمه القوة والثبات والحفظ ، من قولهم : ابقه بقوتك مالك ـ وزن ادعه ـ أي احفظه حفظك مالك ، ويلزمه النظر والمراقبة : بقيت الشيء ـ إذا نظرت إليه ورصدته ، ويلزمه الثبات : بقي بقاء ـ إذا دام ، والخير والجودة ؛ قال الزمخشري : لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله ، ويقال : فلان من بقية قوم ، أي من خيارهم ، وسيأتي شرح ذلك مستوفى عند قوله تعالى (وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً) إن شاء الله تعالى (يَنْهَوْنَ) أي يجددون النهي في كل حين إشارة إلى كثرة المفسدين (عَنِ الْفَسادِ) الكائن (فِي الْأَرْضِ) و «لو لا» هنا كالتي في يونس توبيخية أو استفهامية كما جوزهما الرماني ، ويجوز أن تكون تخصيصية كما قال
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
