التي يعبر عنها بالفواحش ونحوه فقد تقدم في قصة شعيب عليهالسلام عند قوله (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أنه لا يكفرها إلا التوبة لما فيها من الإشعار بالتهاون بالدين ، واجتنابها لا يكفر إلا إذا كان عن نية صالحة كما أفهمه صيغة الافتعال من قوله (إِنْ تَجْتَنِبُوا) [النساء : ٣١] ؛ روى البخاري في التفسير عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلا أصاب من امرأة قبلة ، فأتى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فذكر له ذلك فأنزل الله عليه (أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ) ـ الآية ، قال الرجل : ألي هذه؟ قال : لمن عمل بها من أمتي (١). وهذا الحديث يؤيد قول ابن عباس رضي الله عنهما : إن هذه الآية من هذه السورة المكية مدنية.
ولما تم هذا على هذا الوجه الأعلى والترتيب الأولى ، قال تعالى مادحا له ليعرف مقداره فيلزم : (ذلِكَ) أي الأمر العالي الرتبة الذي تقدم من الترغيب والترهيب والتسلية وتعليم الداء والدواء للخلاص من الشقاء (ذِكْرى) أي ذكر عظيم (لِلذَّاكِرِينَ) أي لمن فيه أهلية الذكر والانتباه به بحضور القلب وصفاء الفكر ونفوذ الفهم.
ولما كان الصبر لله على المكاره أعلى الطاعة ، أتبع ذلك قوله : (وَاصْبِرْ) أي ليكن منك صبر على الطاعات وعن المعاصي ولا تترك إنذارهم بما أمرت به مهما كان ولا تخفهم ، فإن العاقبة لك إذا فعلت ؛ ولما كان مقام الصبر صعبا والاستقامة على المحمود منه خاصة خطرا ، وكانت النفس ـ لما لها من الجزع في كثير من الأحوال ـ كالمنكرة ، أكدّ قوله : (فَإِنَ) الصبر هو الإحسان كل الإحسان وإن (اللهَ) أي المحيط بصفات الكمال (لا يُضِيعُ) أي بوجه من الوجوه (أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) أي العريقين في وصف الإحسان بحيث إنهم يعبدون الله كأنهم يرونه ، فلذلك يهون عليهم الصبر ، وذلك لأن الطاعة كلفة فلا تكون إلا بالصبر ، وكل ما عداها فهو هوى النفس لا صبر فيه ، فالدين كله صبر «حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات» (٢) ولذا فضل ثواب الصابر (إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ) [الزمر : ١٠] والصبر المحمود : حبس النفس عن الخروج إلى ما لا يجوز من ترك الحق ، ونقيضه الجزع ، قال الشاعر :
|
إن تصبرا فالصبر خير مغبة |
|
وإن تجزعا فالأمر ما تريان |
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٥٢٦ و ٤٦٨٧ ومسلم ٢٧٦٣ والترمذي ٣١١٤ والنسائي في الكبرى ٧٣٢٦ و ٣٢٦ وابن ماجه ١٣٩٨ و ٤٢٥٤ والواحدي في الأسباب ٥٣٩ والبيهقي في السنن ٨ / ٢٤١ وأحمد ١ / ٣٨٥ و ٤٣٠ من حديث ابن مسعود.
(٢) صحيح. أخرجه البخاري ٦٤٨٧ ومسلم ٢٨٢٣ وأبو داود ٤٧٤٤ والترمذي ٢٥٦٠ والنسائي ٧ / ٣ والقضاعي في الشهاب ٥٦٧ وابن حبان ٧١٩ وأحمد ٢ / ٢٦٠ من حديث أبي هريرة بعضهم مطولا وبعضهم مختصرا.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
