موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» (١) ثم قرأ (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ) الآية.
ولما كان مثل هذا الآخذ لا يدانيه مخلوق ولا يقدر عليه ملك ، حسن كل الحسن إتباع ذلك قوله : (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ) أي مؤلم قاطع للآمال مالىء البدن والروح والنفس بالنكال (شَدِيدٌ) أي صعب مفتت للقوى ، ولعله عبر هنا باسم الرب مضيفا له إلى المنبأ بهذه الأنباء مكررا لذلك في هذا المقام الذي ربما سبق فيه الوهم إلى أنه باسم الجبار والمنتقم مثلا أليق ، إشارة إلى أنه سبحانه يربيك أحسن تربية في إظهارك على الدين كله وانقياد العظماء لأمرك وذل الأعزة لسطوتك وخفض الرؤوس لعلو شأنك ، فلا تتكلف أنت شيئا من قصد إجابتهم إلى إنزال آية أو ترك ما يغيظ من إنذار ونحو ذلك ـ والله الموفق.
ولما كان مما جر هذه القصص وهذه المواعظ تكذيبهم لما يوعدون من العذاب الناشىء عن إنكار البعث المذكور في قوله تعالى : (وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ ،) أشار تعالى إلى تحقق أمر الآخرة وأنه مما ينبغي الاهتمام به ردا للمقطع على المطلع ، وإعلاما بأنه لا فرق بينه وبين ما تحقق إيقاعه من عذاب هذه الأمم في القدرة عليه بقوله مؤكدا لأجل جحودهم أن يكون في شيء مما مضى دلالة عليه بوجه من الوجوه : (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي النبأ العظيم والقصص والوعظ بما يذكر (لَآيَةً) أي لعلامة عظيمة ودلالة بتة ولما كان وجود الشيء عدما بالنسبة إلى ما لا نفع له به ، قال : (لِمَنْ خافَ عَذابَ) يوم الحياة (الْآخِرَةِ) لأنه نفع خاص به ، وإنما كان آية له لأنه إذا نظر إلى إهلاكه للظالمين إهلاكا عاما بسبب ظلمهم وإنجائه للمؤمنين ، علم أنه قادر على ما يريد ، وأنه لا بد أن يجازي كلّا بما فعل ، فإذا رأى أن ظلمة كثيرين يموتون بغير انتقام ، علم أنه لا بد من يوم يجازيهم فيه ، وهو اليوم الذي أخبرت به عنه رسله ، وزاد في الإشارة إلى تهويله بإعادة اسم الإشارة في قوله : (ذلِكَ) أي اليوم العظيم الذي يكون فيه عذاب الآخرة (يَوْمٌ) وأشار ـ إلى يسر البعث وسهولته عليه وأنه أمر ثابت لا بد منه ـ باسم المفعول من قوله : (مَجْمُوعٌ لَهُ) أي لإظهار العدل فيه والفضل (النَّاسُ) أي كل من فيه أهلية التحرك والاضطراب وما ثمّ يوم غيره يكون بهذه الصفة أصلا.
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٤٦٨٦ ومسلم ٢٥٨٣ والترمذي بإثر ٣١١٠ والنسائي في الكبرى ١١٢٤٥ وابن ماجه ٤٠١٨ وابن حبان ٥١٧٥ والطبري ١٨٥٥٩ والبيهقي ٦ / ٩٤ وفي الأسماء والصفات ١ / ٨٢ كلهم من حديث أبي موسى. ـ وأورده السيوطي في الدر ٤ / ٤٧٤ وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
