في قوله : (نَقُصُّهُ عَلَيْكَ) إلى أنا كما قصصناها عليك في هذا الحال للمقصد المتقدم سنقصها عليك لغير ذلك من الأغراض في فنون البلاغة وتصاريف الحكم كما سترى عند قصه ؛ ثم أشار ـ بما أخبر من حلها بقوله : (مِنْها) أي القرى (قائِمٌ وَحَصِيدٌ) إلى أنك مثل ما سمعت ما قصصنا عليك من أمرها بأذنك ووعيته بقلبك تحسها بعينك بمشاهدة أبنيتها وآثارها قائمة ومستحصدة ، أي متهدمة لم يبق من بنيانها إلا بعض جدرانها.
ولما كان فيما تقدم في هذه السورة من القصص أشد تهديد وأعظم وعيد لمن له تبصرة ، صرح لغليظي الأكباد بأن الموجب للايقاع بهم إنما هو الظلم ، فقال تعالى عاطفا على نحو أن يقال : فعلنا بهم وأنبأناك به : (وَما ظَلَمْناهُمْ) في شيء منه (وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) واعتمدوا على أندادهم معرضين عن جنابنا آمنين من عذابنا فأخذناهم (فَما) أي فتسبب عن اعتمادهم على غيرنا أنه ما (أَغْنَتْ عَنْهُمْ) أي بوجه من الوجوه (آلِهَتُهُمُ الَّتِي) وصور حالهم الماضية فقال : (يَدْعُونَ) أي دعوها واستمروا على دعائهم لها إلى حين الأخذ ، وبين خسة رتبتها فقال : (مِنْ دُونِ اللهِ) أي الذي له جميع صفات الكمال ؛ وذكر مفعول «اغنت» معرقا في النفي فقال : (مِنْ شَيْءٍ) أي وإن قل (لَمَّا جاءَ أَمْرُ) أي عذاب (رَبِّكَ) أي المحسن إليك بتأخير العذاب المستأصل عن أمتك وجعلك نبي الرحمة (وَما زادُوهُمْ) في أحوالهم التي كانت لهم قبل عبادتهم إياها (غَيْرَ تَتْبِيبٍ) أي إهلاك وتخسير ، فإنهم كانوا في عداد من يرجى فلاحه ، فلما تورطوا في عبادتها ونشبوا في غوايتها وبعدوا عن الاستقامة بضلالتها خسروا أنفسهم التي هي رأس المال فكيف لهم بعد ذلك بالأرباح ؛ والقص : إتباع الأثر ، فهو هنا الإخبار بالأمور التي يتلو بعضها بعضا ؛ والدعاء : طلب الطالب الفعل من غيره ، ونداء الشيء باسمه بحرف النداء ، وكلا الأمرين مرادان ؛ و (مِنْ دُونِ اللهِ :) من منزلة أدنى من منزلة عبادة الله لأنه من الأدون ، وهو الأقرب إلى جهة السفل ؛ والتب : الهلك والخسر.
ولما كان المقصود من ذلك رمي قلوب العرب بما فيه من سهام التهديد ليقلعوا عما تمكنوا فيه من عمى التقليد ، قال تعالى معلما بأن الذي أوقع بأولئك لظلمهم وهو لكل ظالم بالمرصاد سواء ظلم نفسه أو غيره : (وَكَذلِكَ) أي ومثل ذلك الأخذ العظيم (أَخْذُ رَبِّكَ) ذكّره بوصف الإحسان ما له إليه من البر لئلا يخاف على قومه من مثل هذا الأخذ (إِذا أَخَذَ الْقُرى) أي أهلها وإن كانوا غير من تقدم الإخبار عنهم وإن عظموا وكثروا ، ولكن الإخبار عنها أهول لأنه يفهم أنه ربما يعمها الهلاك لأجلهم بشدة الغضب من فعلهم كقرى قوم لوط عليهالسلام (وَهِيَ ظالِمَةٌ) روى البخاري في التفسير عن أبي
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
