بقوله : (فَقالَ) أي فتسبب عن هذا النصح العظيم أن قال ؛ ولما كان هذا بعد أن تبعه بعضهم قال : (الْمَلَأُ) وبين أن الجدال مع الضلال بعد أن بين أنهم هم الأشراف زيادة في التسلية بقوله : (الَّذِينَ كَفَرُوا) وبين أنهم أقارب أعزة بقوله : (مِنْ قَوْمِهِ) أي الذين هم في غاية القوة لما يريدون محاولة القيام به (ما نَراكَ) أي شيئا من الأشياء (إِلَّا بَشَراً) أي آدميا (مِثْلَنا) أي في مطلق البشرية ، لست بملك تصلح لما لا تصلح له من الرسالة ، وهذا قول البراهمة ، وهو منع نبوة البشر على الإطلاق ، وهو قول من يحسد على فضل الله ويعمى عن جلي حكمته فيمنع أن يكون النبي بشرا ويجعل الإله حجرا.
ولما كانت العظمة عندهم منحصرة في عظمة الأتباع قالوا : (وَما نَراكَ) ولما نفوا الرؤية عنه فتشوف السامع إلى ما يقع عليه من المعاني ، بينوا أن مرادهم رؤية من اتبعه فقالوا : (اتَّبَعَكَ) أي تكلف اتباعك (إِلَّا الَّذِينَ هُمْ) أي خاصة (أَراذِلُنا) أي كالحائك ونحوه ، وليس منا رذل غيرهم ، وهو جمع أرذل كأكلب جمع رذل ككلب ، والرذل : الخسيس الدنيء ، وهذا ينتج أنه لم يتبعك أحد له قدر ؛ قالوا : و (اتَّبَعَكَ) عامل في قوله : (بادِيَ الرَّأْيِ) وهو ظرف أي اتبعوك بديهة من غير تأمل ، فاتباعهم لا يدل على سداد لما اتبعوه من وجهين : رذالتهم في أنفسهم ، وأنهم لم يفكروا فيه ، لكن يضعفه إيراد الاتباع بصيغة الافتعال التي تدل على علاج ومجاذبة ، فالأحسن إسناده ـ كما قالوه أيضا ـ إلى أراذل. أي أنهم بحيث لا يتوقف ناظرهم عند أول وقوع بصره عليهم أنهم سفلة أسقاط ، ويجوز أن يكون المراد «بادي رأيك» أي أنك تظن أنهم اتبعوك ، ولم يتبعوك.
ولما كانوا لا يعظمون إلا بالتوسع في الدنيا ، قالوا : (وَما نَرى لَكُمْ) أي لك ولمن تبعك (عَلَيْنا) وأغرقوا في النفي بقولهم : (مِنْ فَضْلٍ) أي في شرف ولا مال ، وهذا ـ مع ما مضى من قولهم ـ قول من يعرف الحق بالرجال ولا يعرف الرجال بالحق ، وذلك أنه يستدل على كون الشيء حقا بعظمة متبعه في الدنيا ، وعلى كونه باطلا بحقارته فيها ، ومجموع قولهم يدل على أنهم يريدون : لو صح كون النبوة في البشر لكانت في واحد ممن أقروا له بالعلو في الأرض ، وعمل (اتَّبَعَكَ) في (بادِيَ) يمنعه تمادي الاتباع على الإيمان ، فانتفى الطعن بعدم التأمل (بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ) أي لكم هذا الوصف لازما دائما لأنكم لم تتصفوا بما جعلناه مظنة الاتباع مما يوجب العظمة في القلوب والانقياد للنفوس بالتقدم في الدنيا بالمال والجاه ؛ فكان داؤهم بطر الحق وغمط (١) الناس ، وهو احتقارهم ، وهذا قد سرى إلى أكثر أهل الإسلام ، فصاروا لا
__________________
(١) غمط النعمة أي : لم يشكرها ويقال غمط عيشه أي : بطره وحقره. وغمط الناس : الاحتقار لم والازدراء بهم.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
