أن أفعالهم أفعال من كراهته لها ثابتة مستحكمة ، وكأنه لم يكن مأمورا بالقتال كما كان نبينا صلىاللهعليهوسلم في أول الأمر ، والآية ناظرة إلى قوله تعالى : (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [يونس : ٩٩] ويجوز أن يكون ذلك كناية عن أنهم معاندون مع قطع النظر عن الجهاد وغيره فإن الأنبياء عليهمالسلام مأمورون بالمجادلة للمعاندين إلى أن يلزموهم الحجة ، وهي لا تفيد إلا الإلزام في الظاهر مع الإنكار والكراهة في الباطن ، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة للكاملين ، وبالموعظة والخطابة للمنافقين الذين لا يعاندون ويحسنون الظن في الداعي ، فيكون المعنى أن البينة لم تنفعكم لشكاسة وإعوجاج في طباعكم ، فلم يبق إلا الموعظة وهي لا تفيد إلا مع حسن الظن ، وأما مع الكراهة فلا ينفعكم النصح ، فلا فائدة في المجادلة إلا الإلزام ، وهو مع الكراهة غير نافع لكم.
ولما كان نفي ذلك عاما للفضل الدنيوي ، وكان الاتصاف بقلة ما في اليد إنما يكون ضارا إذا كان صاحبه يسأل غيره ، نفى عنه هذا اللازم العائب فقال مجيبا عن نفيهم الفضل عنه وعن أتباعه بأنه قد يرد منهم على ذلك ثوابا دنيويا : (وَيا قَوْمِ) استعطافا لهم (لا أَسْئَلُكُمْ) أي في وقت من الأوقات (عَلَيْهِ) أي الإنذار كما يأخذ منكم من ينذركم أمر من يريد منكم من ينذركم أمر من يريد بكم بعض ما تكرهون في أمور دنياكم حتى تكون عاقبة ذلك أن تتهموني (مالاً إِنْ) أي ما (أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ) أي الذي له الجلال والإكرام فبيده الخزائن كلها ، ونبه بهذا على أنه لا غرض له من عرض دنيوي ينفر المدعو عنه فوجب تصديقه ، وفيه تلقين للجواب عن قول قريش : لو لا ألقي إليه كنز ـ كما سيأتي بأبين من ذلك عقب قصة يوسف عليهالسلام في قوله : (وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) لأن هذه القصص كالشيء الواحد متتابعة في بيان حقية هذا القرآن والتأسية في الاقتداء بالرسل في الصبر على أداء جميع الرسالة مع ما يلزم ذلك من جليل العبر وبديع الحكم ، فلما اتحد الغرض منها مع تواليها اتحدت متفرقاتها.
ولما كان التعبير برذالة المتبع مما ينفر أهل الدنيا عن ذلك التابع ، بين لهم أن شأنه غير شأنهم وأنه رقيق على من آمن به رفيق به رحيم له وإن كان متأخرا في الدنيا محروما منها خوفا من الله الذي اتبعوه فيه فقال : (وَما أَنَا) وأغرق في النفي بقوله : (بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا) أي أقروا بألسنتهم بالإيمان ؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لإنكارهم (إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ) أي المحسن إليهم بعد إيجادهم وتربيتهم لهدايتهم ، فلو طردتهم لشكوني إليه فلا أرى لكم وجها في الإشارة إلى طردهم ولا في شيء مما أجبتموني به (وَلكِنِّي أَراكُمْ) أي أعلمكم علما هو كالرؤية (قَوْماً تَجْهَلُونَ) أي تفعلون أفعال أهل الجهل فتكذبون الصادق وتعيرون المؤمنين بما لا يعنيهم وتنسون لقاء الله وتوقعون
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
