كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) [يونس : ٣٩] والعجب في عمههم مع إحكامه وتفصيله ولكن (الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ) [يونس : ٩٦] وتأمل قوله سبحانه آخر هذه السورة (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) [هود : ١٢٠] ، و (جاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) [هود : ١٢٠] فكل الكتاب حق وموعظة وذكرى ، وإنما الإشارة ـ والله أعلم ـ بما أراد إلى ما تقرر الإيماء إليه من كمال بيان الصراط المستقيم وملتزمات متبعيه أخذا وتركا ، وذكر أحوال المتنكبين على شتى طرقهم ، واختلاف أهوائهم وغاياتهم وشرّهم إبليس فإنه متبعهم والقائل لجميعهم في إخبار الله تعالى (إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) [إبراهيم : ٢٢] وقد بسط من أمره وقصته في البقرة والأعراف ما يسر على المؤمنين الحذر منه وعرفهم به وذكر اليهود والنصارى والمشركون والصابئون والمنافقون وغيرهم ، وفصل مرتكب كل فريق منهم كما استوعب ذكر أهل الصراط المستقيم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وفصل أحوالهم ابتداء وانتهاء والتزاما وتركا ما أوضح طريقهم ، وعين حزبهم وفريقهم (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ) [الأنعام : ٩٠] وذكر أحوال الأمم مع أنبيائهم وأخذ كل من الأمم بذنبه مفصلا ، وذكر ابتداء الخلق في قصة آدم عليهالسلام وحال الملائكة في التسليم والإذعان وذكر فريق الجن من مؤمن وكافر وأمر الآخرة وانتهاء حال الخلائق واستقرارهم الأخروي وتكرير دعاء الخلق إلى الله تعالى طمعا فيه ورحمة وإعلام الخلق بما هو عليه سبحانه وما يجب له من الصفات العلى والأسماء الحسنى ، ونبه العباد على الاعتبار وعلموا طرق الاستدلال ورغبوا ورهبوا وبشروا وأنذروا وأعلموا بافتقار المخلوقات بجملتها إليه سبحانه كما هو المتفرد بخلقهم إلى ما تخلل ذلك مما يعجز الخلائق عن حصره والإحاطة به (وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) [الأحزاب : ٤] فلما تقدم هذا كله في السبع الطوال وما تلاها. أعقب ذلك بقوله : (كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود : ١] ثم أتبع هذا بالإيماء إلى فصول ثلاثة عليها مدار آي الكتب ، وهي فصل الإلهية ، وفصل الرسالة ، وفصل التكاليف ، أما الأول فأشار إليه قوله : (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ) [هود : ٢] وأما فصل الرسالة فأشار إليه قوله سبحانه : (إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) [هود : ٢] وأما فصل التكاليف فأشار إليه قوله سبحانه (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) [هود : ٣]. وهذه الفصول الثلاثة هي التي تدور عليها آي القرآن وعليها مدار السورة الكريمة ، فلما حصل استيفاء ذلك كله فيما تقدم ولم يبق وجه شبهة للمعاند ولا تعلق للجاحد واتضح الحق وبان قال سبحانه وتعالى : (وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُ) [هود : ١٢٠] إشارة إلى كمال المقصود وبيان
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
