كان مرادهم بالثني الاستتار من الله تعالى فالأمر في عود الضمير إليه سبحانه واضح ، وإن كان من النبي صلىاللهعليهوسلم فالاستخفاء منه استخفاء ممن أرسله ، ثم أعلم أن ذلك غير مغن عنهم لأنه يعلم سرهم وعلنهم في أخفى أحوالهم عندهم ، وهو حين استغشائهم ثيابهم ، فيغطون الوجوه التي تستقر عن بعض ما في القلوب للمتوسمين فقال : (أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ) أي يوجدون غشيانها أي تغطيتها لرؤوسهم ، لاستخفاء كراهية لسماع كلام الله وأخبار رسوله صلىاللهعليهوسلم (يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ) أي يوقعون إسراره في أيّ وقت كان ومن أيّ نوع كان من غير بطء لتدبر أو تأمل ، ولما لم يكن بين علم السر والعلن ملازمة لاختصاص العلن بما يكون لغيبة أو اختلاف بأصوات ولفظ أو اختلاف لغة ونحو ذلك قال تصريحا : (وَما يُعْلِنُونَ) أي يوقعون إعلانه لا تفاوت في علمه بين إسرار وإعلان ، فلا وجه لاستخفائهم نفاقا ، فإن سوق نفاقهم غير نافق عنده سبحانه. ثم علله بما هو أدق من ذلك كله مع شموله للنوعين فقال : (إِنَّهُ عَلِيمٌ) أي بالغ العلم جدا (بِذاتِ الصُّدُورِ) أي بضمائر قلوبهم التي في دواخل صدورهم التي يثنونها من قبل أن يقع لهم إضمارها ، بل من قبل أن يخلقهم ؛ وأصل الثني العطف ، ومنه الاثنان ـ لعطف أحدهما على الآخر ، والثناء ـ لعطف المناقب في المدح. ولهذا لما قال العبد في الفاتحة (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) بعد الحمد قال الله تعالى : أثنى عليّ عبدي ـ كما في حديث «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» (١) والاستثناء ـ لعطف الثاني على الأول بالاستخراج منه ؛ والاستخفاء : طلب خفاء الشيء : ثم أتبع ذلك بما يدل على شمول العلم والقدرة معا فقال : (وَما) وأغرق في العموم بقوله : (مِنْ دَابَّةٍ) ودل على أن الانتفاع بالأموال مخصوص بأهل العالم السفلي بقوله : (فِي الْأَرْضِ) أي صغرت أو كبرت (إِلَّا عَلَى اللهِ) أي الملك الأعلى الذي ، له الإحاطة وحده لا على غيره (رِزْقُها) أي قوتها وما تنتفع وتعيش به بمقتضى ما أوجبه على نفسه ، تحقيقا لوصوله وحملا على التوكل فيه ، لأن الإفضال على كل نفس بما لا تعيش إلا به ولا يلائمها إلا هو مدة حياتها أدق مما مضى في العلم مع تضمنه لتمام القدرة ، والآية مع ذلك ناظرة إلى ترغيب آية (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) فالمراد : أخلصوا العبادة له ولا تفتروا عن عبادته للاشتغال بالرزق فإنه ضمنه لكم وهو عالم بكل نفس فلا تخشوا من أنه ينسى أحدا ، وقال : و (فِي الْأَرْضِ) ليعم ما يمشي على وجهها وما في أطباقها من الديدان ونحوها مما لا يعلمه إلا هو ، لقد شاهدت داخل حصاة من شاطىء بحر قبرس شديدة الصلابة كأنها العقيق الأبيض دودة عندها ما تأكل ، وأخبرني الفاضل عز الدين محمد بن أحمد
__________________
(١) تقدم في سورة الفاتحة.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
