وبعد هذه الرتبة العالية التي لم يشاركه في مجموعها كتاب جعلت له رتبة أعلى منها جدا بحيث لم يشاركه في شيء منها كتاب وذلك أنه (فُصِّلَتْ) أي جعلت لها ـ مع كونها مفصلة إلى حلال وحرام وقصص وأمثال ـ فواصل ونهايات تكون بها مفارقة لما بعدها وما قبلها ، يفهم منها علوم جمة ومعارف مهمة وإشارات إلى أحوال عالية ، وموارد عذبة صافية ، ومقامات من كل علة شافية ، كما تفصل القلائد بالفرائد ، وهذا التفصيل لم يشاركه في شيء منه شيء من الكتب السالفة ، بل هي مدمجة إدماجا لا فواصل لها كما يعرف ذلك من طالعها ، ويكفي في معرفة ذلك ما سقته منها في تضاعيف هذا الكتاب ، وما أنسب ختام هذه الآية للإحكام والتفصيل بقوله : (مِنْ لَدُنْ) أي نزلت آياته محكمة مفصلة حال كونها مبتدئة من حضرة هي أغرب الحضرات الكائنة من إله (حَكِيمٍ خَبِيرٍ) منتهية إليك وأنت أعلى الناس في كل وصف فلذلك لا يلحق إحكامها ولا تفصيلها ، أرسلناك به قائلا : (أَلَّا تَعْبُدُوا) أي بوجه من الوجوه (إِلَّا اللهَ) أي الإله الأعظم.
ولما كان هذا معظم ما أرسل به صلىاللهعليهوسلم ومداره ، استأنف الإخبار بأنه أرسله سبحانه مؤكدا له لأجل إنكارهم فقال : (إِنَّنِي) ولما كان إرساله صلىاللهعليهوسلم لأجل رحمة العالمين ، قدم ضميرهم فقال : (لَكُمْ مِنْهُ) أي خاصة ، ثم أجمل القرآن كله في وصفيه صلىاللهعليهوسلم بقوله : مقدما ما هو أنسب لختام التي قبلها بالصبر : (نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) كامل في كل من الوصفين غاية الكمال ، وهذا التقدير يرشد إليه قوله تعالى أول التي قبلها (أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ) [يونس : ٢] مع إيضاحه لما عطف عليه قوله تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ) أن [هود : ٢٥] عطفناه عليه ، وإظهاره لفائدة عطفه كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، ويرجح أن «لا» ناهية جازمة ل (تَعْبُدُوا) عطف (أَنِ اسْتَغْفِرُوا) عليه ، فقد ظهر من تلويح هذا وتصريحه وتصريح ما في بقية السورة أن مقصودها وصف الكتاب بالإحكام والتفصيل بما يعجز الخلق لأنه من عند من هو شامل العلم كامل القدرة فهو بالغ الحكمة يعيد الخلق للجزاء كما بدأهم للعمل فوجب إفراده بالعبادة وأن يمتثل جميع أمره ، ولا يترك شيء منه رجاء إقبال أحد ولا خوف إدباره ، ولا يخشى غيره. ولا يركن إلى سواه ، على ذلك مضى جميع النبيين ودرج سائر المرسلين صلىاللهعليهوسلم أجمعين.
ولما تقدم أنه نذير وبشير. أتبع ذلك بما يشمل الأمرين بقوله عطفا على (أَلَّا تَعْبُدُوا) مشيرا إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره : (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) أي اطلبوا مع الإخلاص في العبادة أن يغفر لكم المحسن إليكم ما فرطتم فيه ؛ وأشار بأداة التراخي إلى علو رتبة التوبة وأن لا سبيل إلى طلب الغفران إلا بها فقال : (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) أي ارجعوا بالظاهر والباطن رجوعا لا رجعة فيه وإن كان المراد بها الدوام فجليل
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
