رتبته غير خفي (يُمَتِّعْكُمْ) أي يمد في تلذيذكم بالعيش مدا ، من متع النهار : ارتفع ، والضحى : بلغ غايته ، وأمتعه الله بكذا : أبقاه وأنشأه إلى أن يبلغ شبابه ؛ ولما ، كان التمتيع ـ وهو المتاع البالغ فيه حتى لا يكون فيه كدر ـ لا يكون إلا في الجنة فلذلك جعل المصدر (مَتاعاً) وأنه وضع موضع «تمتيعا» ، هذا المصدر ووصفه بقوله : (حَسَناً) ليدل على أنه أنهى ما يليق بهذه الدار ، ولقد كان ما أوتيه الصحابة رضي الله عنهم في زمن عمر رضي الله عنه من الظفر بالإهداء وسعة الدنيا ورغد العيش كذلك (إِلى) أي ممتدا إلى (أَجَلٍ مُسَمًّى) أي في علمه إما بالموت لكل واحد أو بانقضاء ما ضربه من الأجل للنعمة التي أشار إليها (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ) أي عمل فاضل (فَضْلَهُ) أي جزاء ما قصد بعمله على وجه التفضيل منه سبحانه فإنه لا يجب لأحد عليه شيء ، وهو مع ذلك على حسب التفضيل : الحسنة بعشرة أمثالها ؛ قال ابن مسعود : وهلك من غلبت آحاده عشراته.
ولما انقضى التبشير مجزوما به ، أتبعه التحذير مخوفا منه لطفا بالعباد واستعطافا لهم فقال : (وَإِنْ تَوَلَّوْا) أي تكلفوا أنفسكم ضد ما طبعها الله عليه من سلامة الفطرة وسهولة الانقياد من الإعراض ولو أدنى درجاته بما أشار إليه حذف التاء (فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ) أي والعاقل من أبعد عن المخاوف (عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) أي لكبر ما فيه من العذاب ممن قدر على إثباتكم ، وخص اسم الرب تذكيرا بما له من النعم في الإيجاد والإنشاء والتربية ؛ ولما كان الاستغفار ـ وهو طلب الغفران ـ مطلوبا في نفسه لكنه لا يعتبر إلا إذا قرن بالتوبة ، عطف عليه ب (ثُمَ) إشارة إلى عظيم رتبتها وعلى منزلتها وإن كان المراد بها الدوام عليها فجليل رتبته غير خفي ، وفي التعبير عن العمل بالفضل إشارة إلى أنه لم يقع التكليف إلا بما في الوسع مع أنه من معالي الأخلاق ، لأن الفضل في الأصل ما فضل عن الإنسان وتعانيه من كريم الشمائل ، وما كان كذلك فهو في الذروة من الإحكام ، لأنه منع الفعل من الفساد ؛ والحكيم من الحكمة وهي العلم بما يجمع عليه مما يمنع الفعل من الفساد والنقض ، وبها يميز الحسن من القبيح والفاسد من الصحيح ، وقد أشارت الآية إلى أن الاستغفار والتوبة سبب السعة (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) [المائدة : ٦٦] وأن الإعراض سبب الضيق ، كما قال صلىاللهعليهوسلم : «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) إشارة إلى ثواب الآخرة ، فالتوبة سبب طيب العيش في الدنيا والآخرة.
وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير في كتابه في مناسبة هذه السورة للتي قبلها : ولما كانت سورة يونس عليهالسلام قد تضمنت ـ من آي التنبيه والتحريك للفطر ومن العظات والتخويف والتهديد والترهيب والترغيب وتقريع المشركين والجاحدين والقطع بهم
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
