البروق الإلهية والنفحات القدسية والمواهب الملكوتية لأنها دائمة اللمعان كما قال صلىاللهعليهوسلم فيما رواه الطبراني عن محمد بن مسلمة رضي الله عنه : «إن لربكم أيام دهركم نفحات ، ألا فتعرضوا لها» (١) ـ الحديث. وليس المانع من نزولها في كل قلب إلا عدم القابلية من بعضها لتراكم الظلمات فيها من صداء المخالفة ودين الإعراض والغفلة ، فيكون بذلك كالمرايا الصديئة لا تقبل انطباع الصور بها ، قال تعالى : (وَهُدىً) إلى الحق لأنه نور عظيم يقود صاحبه ـ ولا بد ـ إلى الطريق الأقوم ، وهذا للصديقين وهو الحقيقة.
ولما كان هذا النور إذا زاد عظمة وانتشر إشراقه يفيض ـ بعد الوصول إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية ـ على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام العالم فينير كل قابل له مقبل عليه ، قال تعالى : (وَرَحْمَةٌ) أي إكرام عظيم بالإمامية بالغ في الكمال والإشراق إلى حد لا مزيد عليه ، وهذا للأنبياء عليهمالسلام ؛ ولما كان لا ينتفع بأنوارهم إلا من توجه إليهم ، ثم إن الانتفاع بهم يتفاوت بتفاوت درجات التوجه إليهم والإقبال عليهم ، قال : (لِلْمُؤْمِنِينَ) الذين اتبعوه وهم راسخون في التوجه إلى المرشدين والاستسلام لهم فكان ذلك سببا لنجاتهم ـ أشار إلى هذا الإمام وقال : فهذه درجات عقلية ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الكلمات الأربع القرآنية على وجه لا يمكن تأخير شيء منها عن موضعه ولا تقديمه ، وهذا بخلاف ما نسبوه إليه صلىاللهعليهوسلم من السحر فإنه داء كله وضلال يجر إلى الشقاء ، والموعظة : إبانة تدعو إلى الصلاح بطريق الرغبة والرهبة ، والوعظ ما دعا إلى الخشوع والنسك وصرف عن الفسوق والإثم ؛ والشفاء : إزالة الداء ، وداء الجهل أضر من داء البدن وعلاجه أعسر وأطباؤه أقل ، والشفاء منه أجل ؛ والصدر : موضع القلب ، وهو أجل موضع في الحي لشرف القلب ؛ والهدى : بيان عن معنى يؤدي إلى الحق ، وهو دلالة تؤدي إلى المعرفة ؛ والرحمة : نعمة على المحتاج.
__________________
(١) حسن لشواهده. أخرجه الطبراني في الكبير ١٩ / (٢٣٣) والأوسط كما في المجمع ١٠ / ٢٣١ (١٧٧١٣) من حديث محمد بن مسلمة. وقال الهيثمي : وفيه من لم أعرف ومن عرفتهم وثقوا ا ه. ـ وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه ابن أبي الدنيا في الفرج ٢٧ وفي إسناده عيسى بن محمد ابن إياس بن بكير قال أبو حاتم : ضعيف وذكره ابن حبان في الثقات وفي إسناده أيضا رويم بن يزيد قال ابن حجر إنه روى عن الليث حديثا منكرا وسكت عنه ابن حجر في لسان الميزان وكذا الرازي في الجرح والتعديل. ـ وله شاهد آخر أخرجه الطبراني في الكبير ٧٢٠ من حديث أنس بن مالك وذكره الهيثمي في المجمع (١٧٧١٤) وقال : وإسناد رجاله رجال الصحيح غير عيسى بن موسى بن إياس ، وهو ثقة ا ه وفيه : «فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
