شامل العلم لقضائه بالعدل ، صادق الوعد لأنه لا حامل له على غيره ، وثبت تفرده بأنه يحيي ويميت ؛ ثبت أنه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء ، فثبت أنه لا يكون الرد إلا إليه فنبه على ذلك بقوله : (هُوَ) أي وحده (يُحيِي) أي كما أنتم به مقرون (وَيُمِيتُ) كما أنتم له مشاهدون (وَإِلَيْهِ) أي لا إلى غيره (تُرْجَعُونَ) لأنه وعد بذلك في قوله : (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقًّا) [يونس : ٤] وفي قوله : (فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ) [يونس : ٤٦] وفي قوله (إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌ) [يونس : ٥٣] وغير ذلك ولا مانع له منه ؛ والحياة معنى يوجب صحة العلم والقدرة ويضاد الموت ، وهو يحل سائر أجزاء الحيوان فيكون بجميعه حيا واحدا ، والحي هو الذي يصح أن يكون قادرا ، والقادر هو الذي يصح أن يذم ويحمد بما فعل ، والموت معنى يضاد الحياة على البنية الحيوانية ، وليس كذلك الجمادية.
ولما ثبت أن ذلك كله حق مباين للسحر الذي مبناه على التخييل ، أقبل على الذين تقدم الإخبار عنهم في أول السورة في قوله : أكان للناس عجبا أنهم قالوا إنه سحر ، فقال : (يا أَيُّهَا النَّاسُ) أي الذين قالوا : إن وعدنا والإخبار به سحر ؛ ولما كان بين الأرواح والأبدان حب غريزي بالتعلق ، والتذ الروح لذلك بمشتهيات هذه الحياة الدنيا بما انطبع فيه بمظاهر الحس فلم يأته نور العقل حتى تعود النقائص بقوة التعلق فحدثت له أخلاق ذميمة هي أمراض روحانية ، فأرسل ربه الذي أوجده ودبره وأحسن إليه طبيبا حاذقا هو الرسول صلىاللهعليهوسلم لعلاج هذه الأمراض. وأنزل كتابه العزيز لوصف الأدوية ، فكان أحكم الطب منع المريض عن أسباب المرض ، قال تعالى : (قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ) أي زاجر عظيم عن التخلي عن كل ما يشغل القلب عن الله من المحظورات وغيرها من كل ما لا ينبغي ، وذلك هو الشريعة.
ولما كان تناول المؤذي شديد الخطر ، وهو لذيذ إلى النفس لما بينهما من ملاءمة النقص ، وكان الانكفاف عنه أشق شيء عليها ، رغبها في القبول بقوله : (مِنْ رَبِّكُمْ) أي المحسن إليكم المدبر لمصالحكم بهذا القرآن ؛ ولما كان أليق ما يعمل بعد الحمية تعاطي الدواء المزيل للأخلاط الفاسدة من الباطن ، قال : (وَشِفاءٌ) أي عظيم جدا (لِما فِي الصُّدُورِ) من أدواء الجهل ، وذلك الشفاء يحصل بتطهير الباطن بعد التخلي عن الأخلاق الذميمة بالتحلي بالصفات الحميدة ليصير الباطن سالما عن العقائد الفاسدة والأخلاق الناقصة كما سلم البدن من الأفعال الدنية ، وهذا هو الطريق.
ولما كانت الروح إذا انصقلت مرآتها فصارت قابلة لتجلي الأنوار عليها بفيض
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
