كونه بنى هذا البناء هكذا ، فأجيب بأنه لا عجب لأن الأمر بيد الله ، لا مفر من قضائه ، وهو قد هدى الأول إلى ما فيه صلاحه ، ولم يهد الثاني لما علم فيه من عدم قابلية الخير (وَاللهُ) الذي له صفات الكمال (لا يَهْدِي الْقَوْمَ) أي الذين لهم قوة المحاولة لما يريدون (الظَّالِمِينَ) أي المطبوعين على ظلام البصائر ، فهم لا يفكرون في شيء إلا جاء في غير موضعه وعلى غير نظام كخطوات الماشي في الظلام ، وقد علم أن الآية من قبيل الاحتباك : أثبت أولا التقوى لأن أهل الإسلام أحق بها ، فدلت على حذف ضدها ثانيا ، وأثبت ثانيا ضعف البناء حسا لأن مسجد الضرار أولى به ، فدل على حذف ضده أولا ، فذكر النهاية المعقولة لأهلها والبداية المحسوسة للناظرين لها ؛ وروي عن جابر رضي الله عنه قال : رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار ؛ وحكي عن خلف بن يسار أنه رأى فيه حجرا يخرج منه الدخان في أول دولة بني العباس.
ولما كان ما تقدم غير قاطع في إخرابه لما ثبت للمساجد من الحرمة ، استأنف الإخبار عن أنه لا يعد في عداد المساجد بوجه ، وإنما هو في عداد بيوت الأصنام فهو واجب الإعدام فقال : (لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ) أي نفس المبنى وهو المسجد (الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً) أي شكا ونفاقا (فِي قُلُوبِهِمْ) كما أن بيوت الأصنام كذلك لأهلها ، فكان ذلك حثا على إخرابه ومحوه وقطع أثره. والمعنى أنه جامع لهم على الريبة في كل زمان يمكن أن يكون (إِلَّا أَنْ) ولما كان القطع محصلا للمقصود من غير نظر إلى قاطع معين ، قال بانيا للمفعول : (تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) أي إلا زمان يوجد فيه القطع البليغ الكثير لقلوبهم وعزائمهم ويباعد بينهم ويفرق شملهم بإخراجه ، وقراءة يعقوب ب «إلى» الجارة واضحة في المراد ، أو يكون المراد أنه لا يزال حاملا لهم على التصميم على النفاق إلى أن يموتوا ، فهو كناية عن عدم توبتهم.
ولما كان التقدير : فالله عليم بما أخبركم به فلا تشكوا فيه ، عطف عليه تعميما للحكم وتعظيما للأمر قوله : (وَاللهُ) أي الذي له الإحاطة بكل شيء (عَلِيمٌ) أي بالغ العلم بكل معلوم (حَكِيمٌ) فهو يتقن ما يأمر به.
ولما تقدم الإنكار على المتثاقلين عن النفر في سبيل الله في قوله تعالى (ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا) [التوبة : ٣٨] ثم الجزم بالأمر بالجهاد بالنفس والمال في قوله (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً) [التوبة : ٤١] وكان أمره تعالى كافيا للمؤمن الذي صدق إيمانه بالإسلام في امتثاله لذلك في منشطه ومكرهه ، وكان كثير منهم قد فعلوا بتثاقلهم ما يقدح في إيمانهم طمعا في ستره بمعاذيرهم وإيمانهم ، اقتضى المقام تبكيت المتثاقلين وتأنيب المنافقين على وجه مهتك لأستارهم مكشف لأسرارهم ، فلما استوفى تعالى في
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
