أي دمعا ، والأصل : يفيض دمعها ، ثم علل فيضها بقوله ؛ (حَزَناً) ثم علل حزنهم بقوله : (أَلَّا يَجِدُوا) أي لعدم وجدانهم (ما يُنْفِقُونَ) فحزنهم في الحقيقة على فوات مرافقتك والكون في حزبك ، وهذه قصة البكائين صرح بها وإن كانوا داخلين في (الَّذِينَ لا يَجِدُونَ) إظهارا لشرفهم وتقريرا لأن الناصح ـ وإن اجتهد ـ لا غنى له عن العفو حيث بين أنهم ـ مع اجتهادهم في تحصيل الأسباب وتحسرهم عند فواتها بما أفاض أعينهم ـ ممن لا سبيل عليه أو ممن لا حرج عليه المغفور له.
ولما نفى السبيل عمن وصفه كر على ذم من انتفى عنه هذا الوصف فقال تعالى : (إِنَّمَا السَّبِيلُ) أي باللوم وغيره (عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ) أي يطلبون إذنك في التخلف عنك راغبين فيه (وَهُمْ أَغْنِياءُ) أي فلا عذر لهم في التخلف عنك وعدم مواساتك ، وتضمن قوله تعالى مستأنفا : (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا) أي كونا كأنه جبلة لهم (مَعَ الْخَوالِفِ) انتفاء الضعف والمرض عنهم من حيث إنه علل فعلهم برضاهم بالتخلف فأفهم ذلك أنه لا علة لهم سواه ، وأفهم أيضا أن كل من كان كذلك كان مثلهم ولو أنه ضعيف أو مريض ، وكرر ذكر الخوالف تكريرا لعيبهم برضاهم بالكون في عداد النساء إذ كان ذلك من أعظم المعايب عند العرب ، وسمى الفاعل للطبع حيث حذفه من الأولى : ولما ذكره ، عظم الأمر فاقتضى ذلك عظم الطبع فنفى مطلق العلم فقال عاطفا على (رَضُوا) : (وَطَبَعَ اللهُ) أي الذي له القدرة الكاملة والعلم المحيط (عَلى قُلُوبِهِمْ) ثم سبب عن ذلك الرضى والطبع قوله : (فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) أي لا علم له فلذلك جهلوا ما في الجهاد من منافع الدارين لهم فلذلك رضوا بما لا يرضى به عاقل ، وهو أبلغ من نفي الفقه في الأولى ، وزاد المناسبة حسنا ضم الأعراب في هذه الآيات إلى أهل الحاضرة وهم بعيدون من الفقه جديرون بعدم العلم.
(يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦) الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨))
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
