بالذم لأنهم في غاية الاستعداد لذلك ، تلاهم بهم فقال : (وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ) أي المبالغون في إثبات الخفايا من الأعذار المانعة لهم من الجهاد ـ بما أشار إليه الإدغام ، وحقيقة المعذر أن يتوهم أن له عذرا ولا عذر له ، والعذر : إيساع الحيلة في وجه يدفع ما ظهر من التقصير (مِنَ الْأَعْرابِ) قيل : هم رهط عامر بن الطفيل من بني عامر ، وقيل : أسد وغطفان ، وقيل : رهط من غفار (لِيُؤْذَنَ) أي ليقع الإذن من أي آذن كان في تخلفهم عن الغزو (لَهُمْ) أي فاعتذروا بما كذبوا فيه وقعدوا عن الغزو معك ، هكذا كان الأصل فوضع موضعه : (وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ) أي وهو المحيط علما وقدرة (وَرَسُولَهُ) تنبيها على وصفهم وليكون أظهر في شمول الأعراب وغيرهم.
ولما كان منهم المحتوم بكفره وغيره قال : (سَيُصِيبُ) أي بوعد لا خلف فيه (الَّذِينَ كَفَرُوا) أي حتم بكفرهم (مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) أي في الدارين.
ولما كان من القاعدين من أهل المدر والوبر من له عذر ، استثناهم سبحانه وساق ذلك مساق النتيجة من المقدمات الظاهرة فقال : (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ) أي بنحو الهرم (وَلا عَلَى الْمَرْضى) أي بنحو الحمى والرمد (وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ) ولو بدين يؤدونه في المستقبل (ما يُنْفِقُونَ) أي لحاجتهم وفقرهم (حَرَجٌ) أي إثم يميل بهم عن الصراط المستقيم ويخرج دينهم.
ولما كان ربما كان أحد من المنافقين بهذه الصفة احترز عنه بقوله : (إِذا نَصَحُوا) أي في تخلفهم وجميع أحوالهم (لِلَّهِ) أي الذي له الجلال والإكرام (وَرَسُولِهِ) أي سرا وعلانية ، فإنهم حينئذ محسنون في نصحهم الذي منه تحسرهم على القعود على هذا الوجه وعزمهم على الخروج متى قدروا ، وقوله : (ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ) في موضع «ما عليهم» لبيان إحسانهم بنصحهم مع عذرهم (مِنْ سَبِيلٍ) أي طريق إلى ذمهم أو لومهم ، والجملة كلها بيان ل (نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) وقوله : (وَاللهُ) أي الذي له صفات الكمال (غَفُورٌ) أي محاء للذنوب (رَحِيمٌ) أي محسن مجمل إشارة إلى أن الإنسان محل التقصير والعجز وإن اجتهد ، فلا يسعه إلا العفو ؛ ثم عطف على ذلك قوله : (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا) وأكد المعنى بقوله : (ما أَتَوْكَ) أي ولم يأتوا بغير قصدك راغبين في الجهاد معك (لِتَحْمِلَهُمْ) وهم لا يجدون محملا (قُلْتَ) أي أتوك قائلا أو حال قولك ، «وقد» مضمرة كما قالوا في (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) [النساء : ٩٠] (لا أَجِدُ ما) أي شيئا (أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) وأجاب (إِذا) بقوله ويجوز أن يكون استئنافا و (قُلْتَ) هو الجواب (تَوَلَّوْا) أي عن سماع هذا القول منك (وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ) أي تمتلىء فتسيل ، وإسناد الفيض إليها أبلغ من حيث أنها جعلت كلها دمعا : ثم بين الفائض بقوله : (مِنَ الدَّمْعِ)
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
