وحذروا من عذاب الباقين بسبب إجرامهم لأنهم يأمرون بالمنكر وما يلائمه مقتفين آثار من قبلهم في الانهماك في الشهوات غير مقلعين خوفا من الله أن يصيبهم بمثل ما أصابهم ولا رجاء له أن ينيلهم مما أعد للمؤمنين مجترئين على الأيمان الباطلة بأعظم الحلف على أيّ شيء فرض سواء كان يستحق اليمين أو لا غير خائفين من الله أن يهتكهم كما هتك غيرهم ممن فعل مثل أفعالهم ؛ ثم دل على عظيم إجرامهم وما تضمنه قوله (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) ـ الآية ، من كبائر آثامهم ، ويجوز أن تكون هذه الآية واقعة موقع التعليل للآية التي قبلها بأنهم يقدمون على ما يستحقون به الجهاد والغلظة والنار من الحلف كذبا على نفي كل ما ينقل عنهم استخفافا بالله وبأسمائه (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) [المجادلة : ٦] فتكون جوابا لمن كأنه قال : أما جهاد الكفار فالأمر فيه واضح ، وأما المنافقون فكيف يجاهدون وهم يتكلون بلفظ الإيمان ويظهرون أفعال أهل الإسلام فقال : لأنهم يحلفون (وَلَقَدْ) أي والحال أنهم كاذبون لقد (قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ) أي الذي لا أكبر في الكفر منه ، وهي تكذيب النبي صلىاللهعليهوسلم.
ولما كان هذا السياق لصنف يجددون الاستخفاف بالله تعالى ـ بما دل عليه المضارع كل وقت ، دل على أن إقرارهم بالإيمان كذب وأفعالهم صور لا حقائق لها ، فعبر بالإسلام فقال : (وَكَفَرُوا) أي أظهروا الكفر (بَعْدَ إِسْلامِهِمْ) أي بما ظهر من أفعالهم وأقوالهم ، وذلك غاية الفجور ؛ ولما كان أعلى شغف الإنسان بشيء أن تحدثه نفسه فيه بما لا يصل إليه ، فيكون ذلك ضربا من الهوس قال : (وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا) أي من قتل الرسول صلىاللهعليهوسلم أو إخراجه من المدينة ، فجمعوا بين أنواع الكفر القول والفعل والاعتقاد ، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في (مَأْواهُمْ) والتقدير على هذا : يدخلون جهنم حالفين بالله : ما قالوا كلمة الكفر ، ولقد قالوها ، فيكون كقوله (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام : ٢٣].
ولما بين من أحوالهم التي لا يحمل على فعلها إلا أمر عظيم ، قال : (وَما) أي قالوا وفعلوا والحال أنهم ما (نَقَمُوا) أي كرهوا شيئا من الأشياء التي أتتهم من الله (إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ) أي الذي له جميع صفات الكمال وهو غني عن العالمين (وَرَسُولُهُ) أي الذي هو أحق الخلق بأن يحوز عظمة الإضافة إليه سبحانه ، وكان أذاهم هذا للنبي صلىاللهعليهوسلم وهمهم بقتله مع إعطائه لهم ما أغناهم بخلاف الآية السابقة ، فكان الأقعد في ذمهم تأخير قوله : (مِنْ فَضْلِهِ) فهو من باب : ولا عيب فيهم.
ولما نبه على أن هذه المساوىء قابلوا بها المحسن إليهم ، رغبهم بأنه قابل المتاب
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
