تجويز نوع من الغضب قال مبتدئا إشارة إلى أنهى التعظيم ـ : (وَرِضْوانٌ) أي رضى لا يبلغه وصف واصف بما تشير إليه صيغة المبالغة ولو كان على أدنى الوجوه بما أفاده التنوين ـ (مِنَ اللهِ) أي الذي لا أعظم منه عندهم (أَكْبَرُ) أي مطلقا ، فهو أكبر من ذلك كله لأن رضاه سبب كل فوز ، ولا يقع السرور الذي هو أعظم النعيم إلا برضى السيد ، وإذا كان القليل منه أكبر فما ظنك بالكثير.
ولما تم ذلك على أحسن مقابلة بما وصف به أضدادهم ، قال يصفه زيادة في الترغيب فيه : (ذلِكَ) أي الأمر العالي الرتبة (هُوَ) أي خاصة لا غيره (الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) أي الذي يستصغر دونه كل شيء من أمور الدنيا والآخرة ، وفي كون ذلك وعدا لمن اتصف لأجل ما اتصف به ترغيب في الجهاد المأمور به بعدها لكونه من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والداعي الأعظم إلى الموالاة.
ولما ثبتت موالاة المؤمنين ومقاطعتهم للمنافقين والكافرين ، وكان ما مضى من الترغيب والترهيب كافيا في الإنابة ، وكان من لم يرجع بذلك عظيم الطغيان غريقا في الكفران ، أتبع ذلك الأمر بجهادهم بما يليق بعنادهم فقال آمرا لأعظم المتصفين بالأوصاف المذكورة مفخما لمقداره بأجل أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : (يا أَيُّهَا النَّبِيُ) أي العالي المقدار بما لا يزال يتجدد له منا من الأنباء وفينا من المعارف ؛ ولما كان الجهاد أعرف في المصارحين ، وكانوا أولى به لشدة شكائمهم وقوة نفوسهم وعزائمهم بدأ بهم فقال ؛ (جاهِدِ الْكُفَّارَ) أي المجاهرين (وَالْمُنافِقِينَ) أي المسائرين كلّا بما يليق به من السيف واللسان.
ولما كان صلىاللهعليهوسلم مطبوعا على الرفق موصى به ، قال تعالى : (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) أي في الجهادين ولا تعاملهم بمثل ما عاملتهم به من اللين عند استئذانهم في القعود ، وهذا بخلاف ما مضى في وعيد المنافقين حيث قدمهم فقال (الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ) فقدم في كل سياق الأليق به ؛ ولما كان المعنى : فإنك ظاهر عليهم وقاهر لهم وهم طعام السيف وطوع العصا ، عطف عليه قوله : (وَمَأْواهُمْ) أي في الآخرة (جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).
ولما أتى بالدليل العام على إجرامهم ، أتبعه الدليل الخاص عليه وهو أيضا دليل على الدليل فقال : (يَحْلِفُونَ بِاللهِ) أي الملك الأعلى الذي لا شيء أعظم منه قدرا (ما قالُوا) أي ما وقع منهم قول ، فقصر الفعل تعميما للمفعول إعلاما بأنهم مهما عنفوا على قول كائنا ما كان بادروا إلى الحلف على نفيه كذبا لأنهم مردوا على النفاق فتطبعوا بأعلى الكذب ومرنوا على سيىء الأخلاق ، فصار حاصل هذا أنهم أطمعوا في العفو
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
