لأنه أوقع في باب العتاب وأقعد في استجلاب المصالح للمتاب : (كَالَّذِينَ) أي حاصل ما مضى من أمركم أيها المنافقون أنكم مثل الذين ؛ ولما كان فاعل ما يذكر إنما هو بعض من مضى أثبت الجارّ فقال : (مِنْ قَبْلِكُمْ) أي من الأمم الخالية ، ثم شرع في شرح حالهم وذكر وجه الشبه فقال : (كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً) لأن الزمان كان إذ ذاك أقرب إلى سن الشباب (وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً) وهذا ناظر إلى قوله : «فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم (فَاسْتَمْتَعُوا) أي طلبوا المتاع والانتفاع في الدنيا بغاية الرغبة معرضين عن العقبى (بِخَلاقِهِمْ) أي نصيبهم الذي قدره الله وخلقه لهم ، وكان الأليق بهم أن يتبلغوا به في السفر الذي لا بد منه إلى الآخرة (فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ) أي كالمقتفين لآثارهم والقاصدين لنارهم (كَمَا اسْتَمْتَعَ) وفي الإتيان بقوله : (الَّذِينَ) ولما كانوا لم يستغرقوا الزمن الماضي ، أثبت الجارّ فقال : (مِنْ قَبْلِكُمْ) بخلاقكم ظاهرا غير مضمر تنبيه على ذمهم بقلة النظر لأنفسهم المستلزم لقلة عقولهم حيث كانوا دونهم في القوة أبدانا وأموالا وأولادا لم يكفوا عن الاستمتاع والخوض خوفا مما محق أولئك الأحزاب على قوتهم من العذاب من غير أن ينفعهم سبب من الأسباب (وَخُضْتُمْ) أي ذهبتم في أقوالكم وأفعالكم خبطا على غير سنن قويم (كَالَّذِي) أي كخوضهم الذي (خاضُوا) وهو ناظر إلى قولهم (إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) قال أبو حيان : وهو مستعار من الخوض في الماء ولا يستعمل إلا في الباطل لأن التصرف في الحق إنما هو على ترتيب ونظام ، وأمور الباطل إنما هي خوض ، ومنه قوله صلىاللهعليهوسلم : «رب متخوض في مال الله له النار يوم القيامة» (١).
ولما آذن هذا النظم لهم بالخسارة ، حصل التشوف إلى عاقبة أمرهم فأخبر عن ذلك بقوله : (أُولئِكَ) أي البعداء من الخير ، والظاهر أنه إشارة إلى الذين وصفهم بالشدة وكثرة الأموال والأولاد (حَبِطَتْ) أي فسدت فبطلت (أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا) أي بزوالها عنهم ونسيان لذاتها (وَالْآخِرَةِ) أي وفي الدار الباقية لأنهم لم يسعوا لها سعيها ؛ وزاد في التنبيه على بعدهم مما قصدوا لأنفسهم من النفع فقال : (وَأُولئِكَ هُمُ) أي خاصة (الْخاسِرُونَ) أي لا خاسر في الحقيقة غيرهم لأنهم خسروا خلاقهم في الدارين فخسروا أنفسهم فلا أخسر ممن تشبه بهم ، ولعل في الالتفات إلى مقام الخطاب
__________________
(١) أخرجه البخاري ٣١١٨ والترمذي ٢٣٧٥ وأحمد ٦ / ٣٧٨ من حديث خولة الأنصارية ، ولفظ البخاري : «إن رجالا يتخوّضون في مال الله بغير حق ، فلهم النار يوم القيامة».
ومعنى «يتخوّضون في مال الله بغير حق» أي : يأخذونها ويتملّكونها كما يخوض الإنسان الماء يمينا وشمالا. وصدره عند الترمذي : «إن هذا المال خضرة حلوة».
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
