بعد وقوع الاستهزاء وثبوته تكذيبا لهم في قولهم : إنك إذن ، بالمعنى الذي أرادوه ، وبيانا لما في إظهارك لتصديقهم من الرفق بهم (أَبِاللهِ) أي وهو المحيط بصفات الكمال (وَآياتِهِ) أي التي لا يمكن تبديلها ولا تخفى على ذي بصر ولا بصيرة (وَرَسُولِهِ) أي الذي عظمته من عظمته وهو مجتهد في إصلاحكم وتشريفكم وإعلائكم (كُنْتُمْ) أي دائما (تَسْتَهْزِؤُنَ).
ولما حقق استهزاءهم ، أنتج قوله : (لا تَعْتَذِرُوا) أي لا تبالغوا في إثبات العذر ، وهو ما ينفي الملام ، فإن ذلك لا يغنيكم وإن اجتهدتم لأن القطع حاصل بأنكم (قَدْ كَفَرْتُمْ) أي بقولكم هذا ، ودل ـ على أن كفرهم أحبط ما كان لهم من عمل ـ بنزع الخافض تشديدا على من نكث منهم تخويفا له وتحقيقا بحال من أصر فقال : (بَعْدَ إِيمانِكُمْ) أي الذي ادعيتموه بألسنتكم صدقا من بعضكم ونفاقا من غيره.
ولما كان الحال مقتضيا لبيان ما صاروا إليه بعد إكفارهم من توبتهم أو إصرارهم ، بين أنهم قسمان : أحدهما مطبوع على قلبه ومقضي توبته وحبه ، وهذا الأشرف هو المراد بقوله بانيا للمفعول إعلاما بأن المقصود الأعظم هو الفعل ، لا بالنظر إلى فاعل معين : (إِنْ) يعف لأن كلام الملك وإن جرى في مضمار الشرط فهو مرشد إلى تحققه ليحصل الفرق بين كلام الأعلى والأدنى (عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ) أي لصلاحيتها للتوبة تعذب (طائِفَةٍ) أي قوم ذوو عدد فيهم أهلية الاستدارة ، وقرأ عاصم ببناء الفعلين للفاعل على العظمة (بِأَنَّهُمْ) أي بسبب أنهم (كانُوا مُجْرِمِينَ) أي كسبهم للذنوب القاطعة عن الخير صفة لهم ثابتة لا تنفك ، فهم غير متأهلين للعفو ، وشرح هذه القصة أنه كان يسير بين يدي النبي صلىاللهعليهوسلم في غزوة تبوك ثلاثة نفر من المنافقين : اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول ، والآخر يضحك ، قيل : كانوا يقولون : إن محمدا يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم ، ما أبعده من ذلك! وقيل : كانوا يقولون : إن محمدا يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين في المدينة قرآن ، وإنما هو قوله وكلامه ، فأطلع الله نبيه صلىاللهعليهوسلم على ذلك فقال : احبسوا الركب عليّ ، فدعاهم وقال لهم : قلتم كذا وكذا؟ فقالوا : (إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)(١) أي كنا نتحدث ونخوض في الكلام كما يفعل الركب لقطع الطريق بالحديث واللعب ؛ قال ابن إسحاق : والذي عفى عنه رجل واحد وهو مخشي بن حمير الأشجعي ، يقال : هو الذي كان يضحك ، ولا يخوض وكان يمشي مجانبا لهم وينكر بعض ما يسمع ، فلما نزلت هذه الآية تاب. قال : اللهم! لا أزال أسمع آية تقرأ ، تقشعر
__________________
(١) انظر الحديث المتقدم.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
