عما غيره أهل الجاهلية إلى موضعه الذي وضعه الله به موافقا اسمه لمسماه ، وجعلت أشهرنا هلالية مع المنع من النسيء لتحصل الاستدارة فيحصل بسببها كل عبادة تعبدنا بها من صوم وعيد وحج وغيره في كل فصل من فصول السنة بخلاف من شهوره بالحساب ، فإن عباداتهم خاصة بوقت من السنة لا تتعداه ـ والله الموافق له ، وقال القاضي أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي في تفسيره : حدثنا ابن أبي عمر ثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس قال ؛ الشهر الذي انتزعه الله من الشيطان المحرم. والحاصل أنه لا شك في أن النسيء لم يكن قط إلا للمحرم لما تقدم ، وأن الحج لم يكن قط في جاهلية ولا إسلام إلا في شهر يسمى ذا الحجة لما قاله نقلة اللغة والحديث والأخبار ، قال ابن الأثير في النهاية ونشوان اليمني في شمس العلوم والقزاز في ديوانه وابن مكتوم في ترتيب العباب والمحكم : ذو الحجة بالكسر : شهر الحج ، زاد المحكم : سمي بذلك للحج ، وقال القزاز ؛ إن الفتح فيه أشهر ، وفي النهاية : يوم التروية هو الثامن من ذي الحجة ، سمي به لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعده ، أي يستقون ويسقون ؛ وقال المجد في القاموس : يوم عرفة التاسع من ذي الحجة ، وفي كتاب أسواق العرب لأبي المنذر هشام بن محمد الكلبي رواية أبي سعيد السكري أن عكاظ كانت من أعظم أسواق العرب. فإذا أهل أهلها هلال ذي الحجة ساروا بأجمعهم إلى ذي المجاز وهي قريب من عكاظ ، وعكاظ في أعلى نجد ، فأقاموا بها حتى يوم التروية ، ووافاهم بمكة حجاج العرب ورؤوسهم ممن أراد الحج بمن لم يكن شهد تلك الأسواق. وقال الأزرقي في تاريخ مكة : فإذا رأوا هلال ذي الحجة انصرفوا إلى ذي المجاز فأقاموا بها ثماني ليال أسواقهم قائمة ، ثم يخرجون يوم التروية في ذي المجاز إلى عرفة فيتروون ذلك اليوم من الماء بذي المجاز ، وإنما سمي يوم التروية لترويهم الماء بذي المجاز ، ينادي بعضهم بعضا : ترووا من الماء ، إنه لا ماء بعرفة ولا بالمزدلفة يومئذ ، ثم ذكر أنه لا يحضر ذلك إلا التجار ، قال : ومن لم يكن له تجارة فإنه يخرج من أهله متى أراد ، ومن كان من أهل مكة ممن لا يريد التجارة خرج من مكة يوم التروية. وروى البيهقي في دلائل النبوة بسنده عن عروة وموسى بن عقبة ـ فرقهما ـ قالا : وأهل رسول الله صلىاللهعليهوسلم بالعمرة من الجعرانة في ذي القعدة ، ثم أسند عن ابن إسحاق أنه قال : فلما فرغ رسول الله صلىاللهعليهوسلم من عمرته انصرف راجعا إلى المدينة ، واستخلف عتاب بن أسيد على مكة وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم ، فكانت عمرة رسول الله صلىاللهعليهوسلم في ذي القعدة أو في الحجة ، وحج الناس تلك السنة على ما كانت العرب يحج عليه ، وحج تلك السنة عتاب بن أسيد في سنة ثمان ، وحديث
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
