رجل من كنانة يقال له القلمس ، وذلك أنه يجمع هذه الزيادة فإذا تمت شهرا زاده في السنة وجعل تلك السنة ثلاثة عشر شهرا ، وسماه نسيئا ، ويحج بهم تلك السنة في المحرم ، فأنزل الله تعالى (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ) فلما كانت السنة التي حج فيها رسول الله صلىاللهعليهوسلم حجة الوداع وافق الحج في تلك السنة ذا الحجة لما أراد الله تعالى بإثبات الحج في تلك السنة ، فخطب النبي صلىاللهعليهوسلم فقال : أيها الناس! ألا إن السنة قد استدارت كهيئتها يوم خلق الله السماوات والأرض (مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ)(١) يعنى به الحساب القيم ، فالحرم رجب جمادى وشعبان ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، فسمي ذلك الحج الأقوم ، وقال الشاعر :
|
وأبطل ذو العرش النسي وقلمسا |
|
وفاز رسول الله بالحج الأقوم ـ انتهى |
والقلمس بفتح اللام وتشديد الميم ، فالنسيء في البيت متروك الهمز ليصح الوزن ، والأقوم منقول حركة الهمزة ، وقوله : إن علة النسيء التطبيق بين السنة الشمسية والقمرية ـ فيه نظر ، والظاهر أن علته ما ذكر في السير من اضطرارهم إلى القتال ، وأمر الاستدارة في كل من هذه الأقوال واضح الاستنارة ، وليس المراد بها مصادفة كل فصل من فصول السنة لموضعه من الحر والبر ، ومصادفة اسم كل شهر لمسماه بحسب اشتقاقه حتى يكون رمضان في شدة الحر مثلا وكذلك غيره وإن كان الواقع أن الأمر كان في هذه الحجة كذلك ، لما تقدم من أن غزوة تبوك كان ابتداؤها في شهر رجب ، وكان ذلك كما تقدم في شدة الحر وحين طابت الثمار ، وإنما المراد الأعظم بالاستدارة مصادفة اسم كل شهر لمسماه لا لمسمى شهر آخر لأجل الدوران بالنسيء بدليل أنه صلىاللهعليهوسلم ما ذكرها إلا لأجله ، فقال في بعض طرق حديث جابر الطويل رضي الله عنه : إن النسيء زيادة في الكفر ، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا (٢). فانظر إلى تعقيبه بحصر الأشهر في الاثني عشر نفيا لجعلهم إياها سنة النسيء ثلاثة عشر شهرا ، وقال : منها أربعة حرم ، وعينها وقال : أيّ شهر هذا؟ فلما سكتوا قال : ذو الحجة شهر حرام ، كل هذا لبيان أن المراد بالاستدارة رجوع كل شهر
__________________
(١) تقدم أنفا.
(٢) حديث جابر الطويل أخرجه مسلم ١٢١٨ وأبو داود ١٩٠٥ وابن ماجه ٣٠٧٤ والدارمي ١٧٩٣ من حديث جابر في صفة حجة النبي صلىاللهعليهوسلم ، ولم أر الفقرة التي أوردها المصنف ، والله أعلم. واللفظ الذي أراده المصنف وهو «السنة اثنا عشر شهرا» عند البخاري ٤٦٦٢ و ٧٤٤٧ ومسلم ١٦٧٩ لكن من حديث أبي بكرة.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
