عمك إلا بالضرب والطعن ؛ فحج الناس عامهم ذلك ، فلما رجعوا رغب الله المشركين فدخلوا في الإسلام طوعا وكرها. وصدق الله ورسوله فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان. وقد وردت نصوص وظواهر في كثير من سورة براءة أنه نزل قبل الرجوع عن تبوك أو قبل الاعتذار ، فمن النصوص قوله تعالى (لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ) وقوله (فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً) ـ الآيات ، (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ) إلى أن قال : (سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ) [التوبة : ٩٤] وأما الظواهر فإن الواقدي قال في سيرته فأنزل من القرآن في غزوة تبوك ، ثم ذكر أكثر سورة براءة وقال هو وغيره من أصحاب السير : وكان رهط من المنافقين يسيرون مع النبي صلىاللهعليهوسلم في تبوك منهم وديعة بن ثابت ـ فذكر القصة التي فيها أن بعضهم قال ترهيبا للمؤمنين : أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال ، وقال كل منهم شيئا إلى أن قال : فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم لعمار بن ياسر : أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا ، فإن أنكروا فقل : بلى ، قلتم كذا وكذا ـ إلى أن قال : إن بعضهم قال : إنما كنا نخوض ونلعب! فأنزل الله فيه (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) ـ إلى قوله ـ (بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ) ثم قال : وجاء الجلاس إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فحلف ما قال من ذلك شيئا ، وكان قد قال : إن كان محمد صادقا فنحن شر من الحمير ، فأنزل الله عزوجل فيه (يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ) ـ إلى آخرها ، فاعترف الجلاس حينئذ وتاب وحسنت توبته (١) ، وذكر مسجد الضرار وأن أهله كانوا سألوا النبي صلىاللهعليهوسلم وهو متجهز إلى تبوك أن يصلي لهم فيه فاعتذر إليهم بشغله بالسفر ووعدهم أن يصلي فيه إذا رجع ، فلما نزل صلىاللهعليهوسلم بذي أوان ـ قال ابن هشام : بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار ـ أتاه خبره وخبر أهله من السماء ، فدعا اثنين من أصحابه فأمرهما به فأحرقاه ، وتفرق أهله ونزل فيه من القرآن ما نزل (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً) ـ إلى آخر القصة ؛ قال الواقدي : وكان عاصم ابن عدي يقول : كنا نتجهز إلى تبوك مع النبي صلىاللهعليهوسلم فرأيت عبد الله بن نبتل وثعلبة بن حاطب قائمين على مسجد الضرار ـ إلى أن قال : فو الله ما رجعنا من سفرنا حتى نزل القرآن بذمه وذم أهله (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً) [التوبة : ١٠٧] ـ إلى آخرها ، ومن ذلك تسميتها بالفاضحة ، فلولا نزولها قبل معرفة أخبارهم لم تكن فاضحة ، وهي
__________________
(١) ذكره الواقدي في مغازيه ٣ / ١٠٦٦ ـ ١٠٦٧ وانظر دلائل النبوة للبيهقي ٥ / ٢٨١ ـ ٢٨٢.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
