في الظاهر للمعاهدين وفي الباطن مشيرة إلى أهل الردة وأن لا يقبل منهم إيمان ما لم يجمعوا بين الصلاة والزكاة كما فهم أبو بكر رضي الله عنه ، وأقيمت على ذلك قرائن منها تكرير الجمع بين الصلاة والزكاة في سياق الإيمان تكريرا لم يكن في غيرها من السور ، فهي من أعلام النبوة ؛ وروى أبو محمد إسحاق بن إبراهيم القاضي البستي في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن هذا الإسلام ثلاثون سهما : عشر منها في براءة ، وعشر في الأحزاب ، وعشر في المؤمنين وسأل سائل.
ولما أعلمهم سبحانه بأنه رد إليهم عهدهم ، وكانوا مختلطين مع أهل الإسلام ، جعل لهم مخلصا إن آثروا البقاء على الشرك مع إعلامهم بأنه لا خلاص لهم لأنهم في قبضته ، فقال مخاطبا لهم ولكل مشرك مسببا عن البراءة : (فَسِيحُوا) والسياحة : الاتساع في السير والبعد عن المدن والعمارة مع الإقلال من الطعام والشراب ، ولذلك يقال للصائم : سائح ، والمراد هنا مطلق السير.
ولما كانت السياحة تطلق على غيره ، حقق المعنى بقوله : (فِي الْأَرْضِ) أي في أيّ جهة شئتم (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) أي من أيام الحج ، فيكون آخرها عاشر شهر ربيع الآخر ، تأمنون فيها أمنا لا نعرض لكم بسوء ، بل تذهبون فيها حيث شئتم ، أو ترمون حصونكم وتهيئون سلاحكم وتلمون شعثكم لا نغدركم ، لأن ديننا مبني على المحاسن ، ولو لا أن الأمر يتعلق بنفوسنا ما نبذنا عهدكم ولا نقضنا عقدكم ، ولكن الخطر في النفس وقد ظهرت منكم أمارات الغدر ولوائح الشر «وعن أيّ نفس بعد نفسي أقاتل» فإذا نقضت الأربعة الأشهر فتهيؤوا لقتالنا وتدرعوا لنزالنا.
ولما كان الإسلام قد ظهر بعد أن كان خفيا ، وقوي بعد أن كان ضعيفا ، افتتح وعظهم بالكلمة التي تقال أولا لمن يراد تقريع سمعه وإيقاظ قلبه وتنبيهه على أن ما بعدها أمر مهم ينبغي مزيد الاعتناء به فقال : (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ) أي أيها الكفرة وإن كثرتم (غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ) لأن علمه محيط بكل شيء فهو قادر على كل ممكن (وَأَنَّ اللهَ) أي لما له من الإحاطة بالجلال والإكرام (مُخْزِي الْكافِرِينَ) أي كلهم منكم ومن غيركم في الدنيا والآخرة لأن قوله قد سبق بذلك ، ولا يبدل القول لديه ، والإخزاء : الإذلال مع إظهار الفضيحة والعار ـ. وأظهر الوصف موضع الضمير تعميما وتعليقا للحكم به ، ولعل الالتفات إلى الخطاب إشارة إلى أن من ترك أمر الله حدبا على قريب أو عشير فهو منهم ، وقد برئت منه الذمة ، فلينج بنفسه ولا نجاء له ، أو يكون لاستعطاف الكفار تلذيذ الخطاب وترهيبهم بزواجر العقاب.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
