مطردين ـ انتهى. فالمراد المبالغة في الإيقاع بهم لأنهم إذا ضربوا ضربة تفرقوا فيها على غير وجه ولا انتظام علم من شردوا إليه ممن وراءهم أنه قد تناهى بهم الذعر فذعر هو فوقع في الشرود قوة أو فعلا ، فعلى قراءة من جعل «من» حرف جر يكون المفعول محذوفا ، والتقدير : أوقع ـ بما تفعل بهؤلاء من الأمور الهائلة ـ التشريد في المكان الذي خلفهم بشرود من فيه قوة أو فعلا بما سمعوا أو رأوا من حال هؤلاء حين واجهوك للقتال ، وعلى قراءة من جعلها اسما موصولا تكون هي المفعول ، فالمعنى : شرد الذين خلفهم من أماكنهم إما بالفعل أو بالقوة بأن تفترق قلوبهم بما تفعل بهؤلاء فتصير ـ بما ترى من قبيح حالهم ـ قابلة للشرود ، ويكون اختلاف المعنى بالتبعيض في جعل «من» حرف جر والتعميم في جعلها موصولا بالنظر إلى القوة أو الفعل.
ولما ذكر الحكم ، ذكر ثمرته بأداة الترجي إدارة له على الرجاء فقال : (لَعَلَّهُمْ) أي المشردين والمشرد بهم (يَذَّكَّرُونَ) ما سبق من أيام الله فيعلموا أن هذه أفعاله ، وهؤلاء رجاله ، فينفعهم ذلك فلا ينقضوا عهدا بعده ولقد فعل بهم صلىاللهعليهوسلم ذلك فإنهم إن كانوا بني قريظة فقد ضربهم صلىاللهعليهوسلم ضربة لم يفلت منهم مخبر ، بل ضرب أعناقهم في حفائر في سوق المدينة وكانوا نحو سبعمائة على دم واحد. إلا من أسلم منهم وهم يسير ، وسبى ذراريهم ونساءهم وغنم أموالهم ، وإن كانوا قينقاع فقد نزل بساحتهم بعد نقضهم وإظهارهم غاية الاستخفاف والعناد فلم يكبتهم الله أن جعلهم في قبضته وما بقي إلا ضرب أعناقهم كما وقع لبني قريظة فسأله فيهم عبد الله بن أبي المنافق وألح عليه صلىاللهعليهوسلم في أمرهم وكان يألفه ويتألف به فتركهم له صلىاللهعليهوسلم وأجلاهم من المدينة ، وكانت واقعتهم أول وقائع اليهود بالمدينة ، وإن كانوا بني النضير فقد نقضوا أيضا فأحاط بهم ، ومنّاهم المنافقون الغرور فقذف الله الرعب في قلوبهم فسألوه صلىاللهعليهوسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم ففعل ، ثم أتم الله له الأمر فيهم في خيبر ووادي القرى وغيرهما إلى أن لم يدع منهم في جزيرة العرب فريقا إلا ضربه بالذل وأجرى عليه الهوان والصغار ، ووقائعه فيهم مشهورة الخبر معروفة في السير.
(وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
