فمحقتهم صفة الإلهية ، ولعله إنما خص آل فرعون تذكيرا ـ لأكثر من كان يقول (غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ) وهم اليهود ـ بأنهم كانوا بالنسبة إلى فرعون وآله أضعف من الصحابة رضوان الله عليهم بالنسبة إلى قريش وأتباعهم ، فإن اليهود مع قلتهم عندهم كانوا قد دانوا لهم بذل العبيد لمواليهم بل أعظم ، ومع ذلك فإنهم نصروا عليهم لما كان الله معهم ، وإعلاما لهم بأنهم الآن كآل فرعون في العناد مع ما هم فيه من القلة والذلة ، فقد جمعوا من كل قوم أخس صفاتهم وأردأ حالاتهم ، ولذلك أبدل من عموم (الَّذِينَ كَفَرُوا الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ) وهم اليهود بلا شك ، إما بنو قينقاع أو النضير أو قريظة أو الجميع بحسب التوزيع ، فكل منهم نقض ما كان أخذ عليه صلىاللهعليهوسلم من العهود ، وأخلف ما كان أكده من الوعود.
ولما كان العهد جديرا بالوفاء ولا سيما من العلماء ، عبر بقوله : (ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ) أي يجددون نقضه كلما لاح لهم خلب برق أو زور بطل يغير في وجه الحق ؛ ثم عظم الشناعة عليهم بقوله : (فِي كُلِّ مَرَّةٍ) ثم نبه على رضاهم من رتبة الشرف العلية القدر وهدة السفه والسرف بعدم الخوف من عاقبة الغدر بقوله : (وَهُمْ لا يَتَّقُونَ) أي الناس في الذم لهم على ذلك ولا الله في الدنيا بأن يمكن منهم ، ولا في الآخرة بأن يخزيهم ثم يركسهم بعد المناداة بالعار في النار.
ولما أيأسه من تقواهم بما اشتملوا عليه من تكرير النقض الناشىء عن غاية الحسد وصلابة الرقاب وقساوة القلوب والقساوة على الكفر ، أمره بما يوهن قواهم ويحل عراهم من إلباس اليأس بإنزال البأس كما جرت عادته سبحانه أنه يوصيه بالرفق ببعض الناس لعلمه أن عمله يزكو لبنيانه على أحسن أساس ، فقال مؤكدا لأجل ما جبل عليه صلىاللهعليهوسلم من محبة الرفق : (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ) أي تصادفنهم وتظفرن بهم (فِي الْحَرْبِ) أي التي من شأنها أن يحرب فيها المبطل ، ويربح ويرحب المحق المجمل (فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ) أي فنكل بهم تنكيلا يصدع ويفرق عن محاربتك من وراءهم ممن هو على مثل رأيهم في المنافرة لك ولا تتركنهم أصلا لأن أتباعك أمهر منهم وأحذق ، فهم لذلك أثبت وأمكن ، فإذا أوقعت بهم ذلك لم يجسر عليك أحد بعده اتعاظا بهم واعتبارا بحالهم ؛ ومادة شرد بكل ترتيب تدور على النفوذ ، فإن كان على قصد وسنن فهو رشد ويلزمه الاجتماع ، وإن كان على غير سنن وجامع استقامة فهو شرود ، ودرشة ، أي لجاجة ويلزمه التفرق ؛ قال ابن فارس : شرد البعير شرودا وشردت به تشريدا ، فأما قوله (فَشَرِّدْ بِهِمْ) فالمراد نكل بهم وسمّع ، قال القزاز : شردت الرجل تشريدا ـ إذا طردته ، وشردت به ـ إذا سمّعت به وذكرت عيوبه للناس ، وقوله تعالى (فَشَرِّدْ بِهِمْ) أي اجعلهم
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
