تجاوزت قواهم الحد ، وزادوا كثرة على العد ، والآيتان تذكّرانهم بحالتهم التي أوجبت نصرهم ليلزموها في كل معترك ولا يتنازعوا كما تنازعوا في المغنم (إِذا لَقِيتُمْ) أي قاتلتم لأن اللقاء اسم للقتال غالب (فِئَةً) أي طائفة مستحقة للقتال كما أغنى عن وصفها بذلك وصفهم بالإيمان (فَاثْبُتُوا) أي في لقائها بقتالها كما ثبتم في بدر ولا تحدثوا أنفسكم بفرار (وَاذْكُرُوا اللهَ) أي الذي له كل كمال فكل شيء يطلب فهو عنده يوجد (كَثِيراً) أي كما صنعتم ثمّ ، لأن ذلك أمارة الصدق في الاعتماد عليه وحده ، وذلك موجب للنصر لا محالة كما في الحديث القدسي «إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه» (١).
ولما أمر بذلك ، علله بأداة الترجي ، ليكون أدل على أنه سبحانه لا يجب عليه شيء فيكون أثبت للإيمان فقال : (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي لتكونوا على رجاء من الفلاح وهو الظفر بالمراد من النصر والأجر وكما كنتم إذ ذاك (وَأَطِيعُوا اللهَ) أي الذي له الغنى المطلق فلا يقبل إلا الخالص والكمال الأكمل فلا يفعل إلا ما يريد (وَرَسُولَهُ) أي في الإقدام والإحجام لجهلكم بالعواقب ، وتلك الطاعة أمارة إخلاصكم في الذكر (وَلا تَنازَعُوا) بأن يريد كل واحد نزع مال صاحبه من رأي وغيره وإثبات ما له ، وأشار إلى عظيم ضرر التنازع ببيان ثمرته المرة فقال ؛ (فَتَفْشَلُوا) أي تضعفوا ؛ قال في القاموس : فشل كفرح ، فهو فشل : كسل وضعف وتراخي وجبن ـ انتهى. والمادة راجعة إلى الفيشلة وهي الحشفة ، ومن لازمها الرخاوة وينشأ عن الرخاوة الجبن مع الصلف والخفة والطيش.
ولما كان الفشل ربما كان معه الظفر لفشل في العدو أكثر منه أو غير ذلك ، عطف ما يلزمه غالبا بالواو دون الفاء فقال : (وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) أي غلبتكم وقوتكم ، وأصله أن الريح إذا كانت في الحرب من جهة صف كانت في وجوه أعدائهم فمنعتهم بما يريدون فخذلوا فصارت كأنها قوة من أتت من عنده ، فصارت يكنى بها عنها ؛ ثم ختم هذه الأسباب بالجامع لشملها الناظم لمقاصد أهلها فقال ؛ (وَاصْبِرُوا) أي على ما يكون من تلك المشاق فإنكم إن تكونوا تألمون فإن أعداءكم كذلك ، وأنتم ترجون من الله ما لا يرجون ؛ ثم علله بما يكون عنه النصر في الحقيقة فقال : (إِنَّ اللهَ) أي المحيط
__________________
(١) أخرجه الترمذي ٣٥٨٠ والديلمي في الفردوس ٨٠٩٠ والبيهقي في الشعب ٥٥٧ من حديث عمارة بن زعكرة. قال الترمذي : هذا حديث غريب ، ليس إسناده بالقوي ا ه. وقال البيهقي : وروي ذلك عن جبير بن نفير أنه قال : يقول الله عزوجل : ألا إن عبدي كل عبدي ... ا ه. وقوله : إن كان ملاقيا قرنه : يعني عند القتال.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
