الفطرة من الذوات ، قال تعالى : (وَيُقَلِّلُكُمْ) صيغة فعل واقع وقت لا وصفا لهم من حيث إنه لو أراهم إياهم على الإراءة الحقيقية لزادهم مضاعفين بالعشر ، فكانوا يرونهم ثلاثة آلاف ومائتين وثلاثين ـ انتهى. (فِي أَعْيُنِهِمْ) قبل اللقاء ليجترئوا على مصادمتكم حتى قال أبو جهل : إنما هم أكلة جزور ، ثم كثركم في أعينهم حين المصادفة حتى انهزموا حين فاجأتهم الكثرة فظنوا الظنون ؛ قال الحرالي : قللهم حين لم يرهم إياهم على الإراءة ـ الحقيقية العشرية ، ولا أراهم إياهم على الصورة الحسية ؛ فكان ذلك آية للمؤمنين على قراءة ياء الغائب ـ أي في آل عمران ـ وكانت آية للكفار على قراءة (تَرَوْنَهُمْ) ـ بتاء الخطاب ، فكان في ذلك في إظهار الإرادة في أعين الفئتين نحو مما كان من الإراءتين الواقعة بين موسى عليهالسلام والسحرة في أن موسى عليهالسلام ومن معه خيل إليهم من سحرهم أنها تسعى وأن فرعون ومن معه رأوا ثعبانا مبينا يلقف ما يأفكون رؤية حقيقة ، فتناسب ما بين الآيات الماضية القائمة لهذه الآية بوجه ما ، وكان هذه الآية أشرف وألطف بما هي في مدافعة بغير آلة من عصى ولا حبل في ذوات الفئتين وإحساسهم ـ انتهى.
ولما ذكر ما أحاله سبحانه من إحساس الفئتين ، علله بقوله : (لِيَقْضِيَ اللهُ) أي الذي له العزة البالغة والحكمة الباهرة من نصركم وخذلانهم بأن تفاجئهم كثرتكم بعد رؤيتكم قليلا فيشجعهم ذلك ، ويهزمهم (أَمْراً كانَ مَفْعُولاً) أي من إعجالهم ـ بما فجعهم من الكثرة بعد القلة ـ عن الحذر والاستعداد لذلك وبما فعل بأيديكم في هذه الغزوة من القتل والأسر والهزيمة المثمر لذل جميع أهل الكفر ، كان مقدرا في الأزل فلا بد من وقوعه على ما حده لأنه لا راد لأمره ولا يبدل القول لديه ، فعل ذلك كله وحده.
ولما كان التقدير : فبيده سبحانه ابتداء الأمور بتقديره إياها في الأزل لا بيد أحد غيره ، عطف عليه قوله : (وَإِلَى اللهِ) أي الملك الأعلى الذي بيده وحده كل أمر (تُرْجَعُ الْأُمُورُ) أي كلها فلا ينفذ إلا ما يريد إنفاذه ، فلا تجري الأمور على ما يظنه العباد ، وهو من قولك : هذا الأمر راجع إليك ، أي مهما أردته فيه مضى ، ولو فرض أن غيرك عالجه لم يؤثر فيه ؛ ولا يزال كذلك حتى يرجع إليك فيمضي ، فالحاصل أن فيه قوة الرجوع بهذا الاعتبار وإن لم يكن هناك رجوع بالفعل ، وفي هذا تنبيه على أن أمور الدنيا غير مقصودة لذواتها ، وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زادا ليوم المعاد. ولما تقرر ذلك وتم على هذا السبيل الأحكم والمنهاج الأقوم ، كان علة لمضمون قوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) الآيتين ، فكانتا نتيجته ، لأنه إذا علم أن الأمر كله له ولا أثر لقلة ولا كثرة أثمر لمن هو في أدنى درجات الإيمان فضلا عن غيره قلة المبالاة بالظالمين وإن
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
