الآية والتي قبلها في النضر بن الحارث أسره المقداد يوم بدر فأمر النبي صلىاللهعليهوسلم بقتله فقال المقداد : أسيري يا رسول الله! فقال : «إنه كان يقول في كتاب الله تعالى ما يقول» ، فعاد المقداد رضي الله عنه لقوله ، فقال النبي صلىاللهعليهوسلم : «اللهم أغن المقداد من فضلك» ، فقال : ذاك الذي أردت يا رسول الله! فقتله النبي صلىاللهعليهوسلم فأنشدت أخته قتيلة أبياتا منها :
|
ما كان ضرك لو مننت وربما |
|
منّ الفتى وهو المغيظ المخنق |
فقال النبي صلىاللهعليهوسلم : «لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننت عليه» (١). وعن معاوية رضي الله عنه أنه قال لرجل من سبأ : ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! قال : أجهل من قومي قومك قالوا (إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ) [الأنفال : ٣٢] وما قالوا : فاهدنا به ، والسر الذي بينه في هذه الآية في إمهالهم هو أنه ما منعه من الإسراع في إجابة دعائهم كما فعل في وقعة بدر إلا إجلال مقامه صلىاللهعليهوسلم بين أظهرهم فقال : (وَما كانَ اللهُ) أي مع ما له من صفات الكمال والعظمة والجلال ، وأكد النفي بقوله : (لِيُعَذِّبَهُمْ) أي ليجدد لهم ذلك في وقت من الأوقات (وَأَنْتَ) أي يا أكرم الخلق (فِيهِمْ) فإنه لعين
تجازى ألف عين وتكرم
ولما بين بركة وجوده ، أتبعه ما يخلفه صلىاللهعليهوسلم إذا غاب في العباد من العذاب فقال : (وَما كانَ اللهُ) أي الذي له الكمال كله (مُعَذِّبَهُمْ) أي مثبتا وصف تعذيبهم بحيث يدوم (وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) أي يطلبون الغفران بالدعاء أو يوجدون هذا اللفظ فيقولون : أستغفر الله ، فإن لفظه وإن كان خبرا فهو دعاء وطلب ، فوجوده صلىاللهعليهوسلم في قوم أبلغ من نفي العذاب عنهم ، وهذا الكلام ندب لهم إلى الاستغفار وتعليم لما يدفع العذاب عنهم كما تقول : ما كنت لأضربك وأنت تطيعني ، أي فأطعني ـ نبه عليه الإمام أبو جعفر النحاس ، وفي ذلك حث عظيم لمن صار صلىاللهعليهوسلم بين أظهرهم من المسلمين صادقهم ومنافقهم على الرغبة في مواصلته والرهبة من مفارقته ، وتعريف لهم بما لهم في حلول ذاته المشرقة في ساحتهم من جليل النعمة ترغيبا في المحبة لطول عمره والاستمساك بعزره في نهيه وأمره إذ المراد ـ والله أعلم ـ بالاستغفار طلب المغفرة بشرطه من الإيمان والطاعة ، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه كان في هذه الأمة أمانان ، أما النبي صلىاللهعليهوسلم فقد مضى ، وأما الاستغفار فهو كائن فيكم إلى يوم القيامة.
ولما كان هذا ليس نصا في استحقاقهم العذاب ، قال تعالى عاطفا على ما تقديره :
__________________
(١) ذكره السيوطي في الدر بنحوه ٣ / ٣٢٧ (الأنفال : ٣١) وقال : أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن سعيد ابن جبير ا ه. وهو مرسل ، وانظر سيرة ابن هشام ٢ / ٦٨.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
