(لَقُلْنا مِثْلَ هذا) أي لأنه ليس قول الله كما يزعم محمد (إِنْ) أي ما (هذا) الذي يتلى عليكم (إِلَّا أَساطِيرُ) جمع سطور وأسطار جمع سطر (الْأَوَّلِينَ) أي من بني آدم ، سطروا فيها علومهم وأخبارهم فهو من جنس كلامنا وقائله من جنسنا ، وهذا غاية المكابرة لأنه قد تحداهم بقطعة من مثله إن كان له ـ كما يزعمون ـ مثل ، وبالغ في تقريعهم فما منعهم ـ من إبراز شيء مما يدعون وليس بينهم وبينه بزعمهم إلا أن يشاؤوا ، مع انتقالهم إلى أشد الأمور : السيف الماحق على تهالكهم على قهره صلىاللهعليهوسلم وعلى ما لهم من فرط الأنفة من العار والبعد مما يقضي عليهم بالغلب أو أن يوصفوا بالكذب ـ إلا علمهم بأن ذلك فاضحهم ، ومخزيهم مدى الدهر وقائحهم ، والمعنى أني أثبت هذا النبي الكريم على صبره على ذلك ومثابرته على أداء الأمانة بالاجتهاد في النصيحة على ما يلقى إن نجيته منهم ومنعته من جميع ما كادوه به ، وكنت لا أزال أؤيده باتباع من أعلم فيه الخير إلى أن هيأت له دارا وخبأت له أنصارا ، وجعلت داره بالأصحاب منيعة ، وبنيت لها أعمدة بصوارم الأحباب ثابتة رفيعة ، نقلته إلى ذلك مع اجتهاد أهل العناد وهم جميع أهل الأرض في المنع ، فلم يؤثر كيدهم ، ولا أفادهم مع أيدي أيدهم ، وجعلت نفس نقلته له فرقانا يفرق بها بين الحق والباطل ، وصار إلى ما ترون من قبول الأمر وجلالة القدر ونفاذ الفصل بين الأمور وظهر دينه أيّ ظهور ، فلازموا التقوى ملازمته وداوموا على الطاعة مداومته أهب لكم من سيادته وأحملكم بملابس إمامته.
ولما كان ذلك موضع عجب من عدم إعجال الضلال بالعذاب وإمهالهم إلى أن أوقع بهم في غزوة بدر لا سيما مع قوله (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ) بيّن السر في ذلك وإن بالغوا في استعجاله فقال : (وَإِذْ قالُوا) أي إرادة المكابرة بالتخييل إلى الناس أنهم على القطع من أنه باطل وإلا لما دعوا بهذا الدعاء (اللهُمَ) أي يا من له تمام الملك وعموم الملك (إِنْ كانَ هذا) أي الأمر الذي أتانا به محمد (هُوَ) أي لا ما نحن عليه (الْحَقَ) حال كونه منزلا (مِنْ عِنْدِكَ) وقال الزجاج : إنه لا يعلم أحدا قرأ (الْحَقَ) بالرفع ـ أفاده أبو حيان (فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً) ولعل تقييده بقوله : (مِنَ السَّماءِ) مع أن الأمطار لا يكون إلا منها ـ لإزالة وهم من يتوهم أن الإمطار مجاز عن مطلق الرجم وأنه إنما ذكر لبيان أن الحجارة المرجوم بها في الكثرة مثل المطر (أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) أي غير الحجارة ، ولعل مرادهم بقولهم ذلك الإشارة إلى أن مجيء الوحي إليك من السماء خارق كما أن إتيان الحجارة منها كذلك ، فإن كنت صادقا في إتيان الوحي إليك منها فأتنا بحجارة منها كما أتت الحجارة منها أصحاب الفيل صونا من الله لبيته الذي أراد الجيش انتهاك حرمته وإعظاما له ـ أشار إلى ذلك أبو حيان ، وهذه
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
