التفات لما تقرر في ماضي الزمان ، وهذه هي العصمة الخاصة بالنبي صلىاللهعليهوسلم الجامع ، فلا يكون لفعله حكم إلا ما يفهمه إنباؤه عن حال وقوعه ، ويكون الأحكام تبعا لفعله ، لا أن فعله يتبع حكما ، فهذا وجه عصمته الخاصة الممتنع عليها جواز الخروج عنها ، فمن كان يسبق إليه من أكابر الصحابة نحو من هذا المعنى لا يتوقف في شيء من أمره كالصديق رضي الله عنه وكما كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في اقتدائه حتى في إدارة راحلته وصبغه بالصفرة ولبسه النعال السبتية ونحو ذلك من أمره وأمر من حذا منهم هذا الحذو ، ومن كان يتوهم الحكم عليه بمقتضى علمه وفهمه من أمر شرعته لا يكاد يسلم من وقوع في أمر يرد عليه انتحاله كما حكم أبيّ رضي الله عنه لما كان يصلي بإمضاء عمل الصلاة إذ دعاه حتى بين له قصور فهمه عن الله في حقه أي بقوله : ألم تسمع الله يقول (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) وكالذي قال : انزل فاجدع لنا ، فقال : إن عليك نهارا ، فقال له في الثالثة أو الرابعة : انزل فاجدع لنا ويلك أو ويحك! فإذا وضح أن فعله مبدأ الحكم ومعلم الإنباء لزم صحة التأسي به في جميع أحواله ، إما على بيان من تعين رتبة الحكم من وجوب أو ندب أو أباحة ، أو على مطلق التأسي مع إبهام رتبة الحكم والاتكال على ما عنده هو صلىاللهعليهوسلم من العلم ، فنية التأسي به على إبهام في الحكم ربما كان أتم من العمل بما تبين حكمه ، أحرم علي رضي الله عنه وهو باليمن ، توجه إلى مكة بإحرام رسول الله صلىاللهعليهوسلم ولا يتطرق لشيء من أمره صلىاللهعليهوسلم بما وقع من كونه يفتي بأمر ثم يوافق في غيره ، لأن الآخذ في ذلك عن قصور في العلم بمكانته من علم رحمانية الله وكلمته وتنزيله إلى موافقة أمر سنة الله وحكمته نحو الذي أفتاه بتكفير الجهاد كل ذنب بناء على علمه برحمانية الله وإمضاء كلمته ، ثم ذكر له ما قال جبرائيل عليهالسلام من استثناء الدين مما أنزل على حكم أمر الله في محكم شرعته وسنته ، يعني ـ والله أعلم ـ أن من صح جهاده تكفر كل ذنوبه ، وأن توقف الدين على إرضاء الله لخصمه ، فالإخبار بالكفارة ناظر إلى المآل ، والإخبار بنفيها ناظر إلى الابتداء ، وكذلك أفتى بترك التلقيح بناء على إنفاذ كلمة الله ، وردهم إلى عادة دنياهم حين لم يتجشموا الصبر إلى ظهور كلمة الله على مستمر عادته ، فقد عمل بأول فتياه غير واحد ممن لم يسترب في نفاذ حكمه وصحته فأخفق ثمرات ثلاث سنين ثم عاد ـ في غنى عن التلقيح ـ إلى أحسن من حاله في متقدم عادته ، ولا يتقاصر عن إدراك ذلك من أمره في كل نازلة من نحوه إلا من لم يسم به التأييد إلى معرفة حظ من مكانته ، فإذا وضح ذلك فكل فعل فعله رسول الله صلىاللهعليهوسلم فإن كان بيانا لواجب فهو منج من عقاب الله ، وإن كان تعليما لقربي من الله فهو وصلة إلى محبة الله كما قال تعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ) [آل
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
