يُحْيِيكُمْ) [الأنفال : ٢٤] قال : بلى! ولا أعود إن شاء الله! قال : تحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ قال : نعم ، يا رسول الله! فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : كيف تقرأ في الصلاة؟ قال : فقرأ أم القرآن ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : والذي نفسي بيده! ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها ، وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته» (١) ـ هذا حديث حسن صحيح.
ولما كان الإنسان إذا كان على حالة يستبعد جدا أن يصبر على غيرها ، قال تعالى مرغبا مرهبا : (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ) أي الذي له جميع العظمة (يَحُولُ) أي بشمول علمه وكمال قدرته (بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) فيرده إلى ما علم منه فيصير فيما كشفه الحال كافرا معاندا بعد أن كان في ظاهر الحال مؤمنا مستسلما فيكون ممن علم الله أنه لا خير فيه وقسره على الإجابة فلم يستمر عليها ، ويرد الكافر بعد عناده إلى الإيمان بغاية ما يرى من سهولة قياده ، فكنى سبحانه بشدة القرب اللازم للحيلولة عن شدة الاقتدار على تبديل العزائم والمرادات ، وهو تحريض على المبادرة إلى اتباع الرسول صلىاللهعليهوسلم ما دامت القلوب مقبلة على ذلك خوفا من تغييرها.
ولما خوفهم عاقبة الحال ، حذرهم شأن المآل فقال : (وَأَنَّهُ) أي واعلموا أنه تعالى (إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) لا إلى غيره ، فيحشر المستجيبين في زمرة المؤمنين ، والمعرضين في عداد الكافرين وإن أبوا حكما واحدا ، لأن الدين لا يتجزأ ، وقد علم أن «إذا» ليست قيدا وإنما هي تنبيه على وجوب اتباعه في كل ما يدعو إليه لعصمته ، وحكمة الإتيان بها الإعلام بأنه ما ترك خيرا إلا دعا إليه ؛ قال الحرالي في أواخر كتاب له في أصول الفقه : ولها ـ أي العصمة ـ معنيان : أحدهما عصمة الحفظ ، وهو معنى ينشأ من التزام الحكم عليه بماضي شرعته ، وهي العصمة العامة للأنبياء ، وفي هذه الرتبة يقع الكلام في الحفظ من الصغائر بعد الاتفاق على الحفظ عما يخل بالتبليغ ويحط الرتبة من الكبائر ، وحقيقة الصغائر مقدمات الذنوب التي لم تتم ، فيكون تمامها كبيرتها ، وعلى ذلك بنى قوم احتمال وقوع الفعل محظورا من نبي ، وكل ذلك ـ وإن كان من أحوال أنبياء ـ فإن المتحقق من أمر النبي صلىاللهعليهوسلم إنما هو علو عن هذا المحل ؛ المعنى الثاني من العصمة رفع الحكم عن النبي صلىاللهعليهوسلم بما حفظه الحافظ من ماضي ظاهر شرعته وبما بلغ إليه فهمه من مبادىء التنشؤ من سننه ، واتخاذ فعله مبدأ للأحكام في كل آن من غير
__________________
(١) أخرجه الترمذي ٢٨٧٥ وأحمد ٢ / ٤١٣ من حديث أبي هريرة قال الترمذي : حسن صحيح.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
