رَمَيْتَ) أي أوقعت صورة قذفه من كفك ، لأن هذا الأثر الذي وجد عن رميك خارق للعادة ، فمن الواضح أنه ليس فعلك ، وهذا هو الجواب عن كونه لم يقل : فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم ، لأن زهوق النفس عن الجراح المثخن هو العادة ، فهم الذين قتلوهم حين باشروا ضربهم ، فلا يصح : فلم تقتلوهم حتى قتلتموهم ، والمنفيّ إنما هو السبب المتقدم على القتل الممكن من القتل ، وهو تسكين قلوبهم الناشىء عند إقدامهم وإرعاب الكفار الناشىء عند ضعفهم وانهزامهم الممكن منهم ، فالمنفي عنهم البداية والمنفي عنه صلىاللهعليهوسلم الغاية ، أو أن الملائكة عليهمالسلام لما باشرت قتل بعضهم صح أن ينفي عنهم قتل المجموع مطلقا ، أو أنهم لما افتخر بعضهم بقتل من قتل نفاه سبحانه عنهم مطلقا لأن مباشرتهم لقتل من قتل في جنب ما أعد لهم من الأسباب وأيدهم به من الجنود عدم ، وأما النبي صلىاللهعليهوسلم فإنه فعل ما أمر به من رمي الرمل ولم يعد فعله ولا ذكره ، فأثبته سبحانه له مع نفي تأثيره عنه وإثباته لمن إليه ترجع الأمور تأديبا منه سبحانه لهذه الأمة ، أي لا ينظر أحد إلى شيء من طاعته ، فإنا قد نفينا هذا الفعل العظيم عن أكمل الخلق مع أنه عالم مقر بأنه منا فليحذر الذي يرى له فعلا من عظيم سطواتنا ، ولكن لينسب جميع أفعاله الحسنة إلى الله تعالى كما نسب الرمي إليه بقوله : (وَلكِنَّ اللهَ) أي الذي لا راد لأمره (رَمى) لأنه الذي أوصل أثره بما كان هازما للكفار ، فعل ذلك كله ليبلي الكفار منه بأيدي من أراد من عباده بلاء عاقبته سيئة (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ) أي الراسخين في الإيمان (مِنْهُ) أي وحده (بَلاءً حَسَناً) أي من النصر والغنيمة والأجر ، ومادة بلاء يائية أو واوية بأيّ ترتيب كان تدور على الخلطة ، وتارة تكون مطلقة نحو أبلاه عذرا ، وتارة بكثرة ومحاولة وعناء وهو أغلب أحوال المادة ، وتارة تكون للامتحان وأخرى لغيره ، وما أباليه بالة ـ أظنه من البال الذي هو الخاطر فهو من بول لا بلو ، أجوف لا من ذوات الأربعة ، ومعناه : ما أفاعله بالبال ، أي ما أكترث به فما أصرف خاطري إلى مخالطة أحواله حيث يصرف هو خاطره إليّ أي ما أفكر في أمره لهوانه عليّ وسيأتي بسط معاني المادة إن شاء الله تعالى في سورة يوسف عليهالسلام عند قوله تعالى (ما بالُ النِّسْوَةِ) [يوسف : ٥٠] وهذه المادة معناها ضد الدعة ، لأن هذه يلزمها شغل الخاطر الذي عنه ينشأ التعب بمدافعة الملابس ، والدعة يلزمها هدوء السر وفراغ البال الذي هو منشأ الراحة ، فمعنى الآية أنه تعالى فعل ذلك من الإمكان من إذلال الكفار ليخالطهم من شؤونه ما يكون لهم في مدافعته عاقبة سيئة ، وليخالط المؤمنين من ذلك ما يكون لهم في مزاولته عاقبة حسنة بل أحسن من الراحة ، لأنه يفضي بهم إلى راحة دائمة ، والدعة تفضي إلى تعب طويل ـ والله موفق.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
