لا يريد الإقبال إلى القتال منها (إِلَّا) أي حال كونه (مُتَحَرِّفاً) أو الحال التحرف ، وهو الزوال عن جهة الاستواء (لِقِتالٍ) أي لا يتسهل له إلا بذلك أو يخيل إلى عدوه أنه منهزم خداعا له ثم يكر عليه (أَوْ مُتَحَيِّزاً) أي متنقلا من حيز إلى آخر ومتنحيا (إِلى فِئَةٍ) أي جماعة أخرى من أهل حزبه هم أهل لآن يرجع إليهم ليستعين بهم أو يعينهم.
ولما كان هذا محل توقع السامع للجواب وتفريغ ذهنه له ، أجاب رابطا بالفاء إعلاما بأن الفعل المحدث عنه سبب لهذا الجزاء فقال : (فَقَدْ باءَ) أي رجع (بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ) أي الحائز لجميع صفات الكمال (وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ) أي تتجهمه كما أنه هاب تجهم الكفار ولقاء الوجوه العابسة بوجه كالح عابس (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) هذا إذا لم يزد الكفار عن الضعف ـ كما سيأتي النص به.
ولما تقدم إليهم في ذلك ، علله بتقرير عزته وحكمته ، وأن النصر ليس إلا من عنده ، فمن صح إيمانه لم يتوقف عن امتثال أوامره ، فقال مسببا عن تحريمه الفرار وإن كان العدو كثيرا ، تذكيرا بما صنع لهم في بدر ، ليجريهم على مثل ذلك ، ومنعا لهم من الإعجاب بما كان على أيديهم في ذلك اليوم من الخوارق : (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ) أي حلّ على المدبر الغضب لأنه تبين لكل مؤمن أنه تعالى لا يأمر أحدا إلا بما هو قادر سبحانه على تطويقه له ، فإنه قد وضح مما يجري على قوانين العوائد أنكم لم تقتلوا قتلى بدر وإن تعاطيتم أسباب قتلهم ، لأنكم لم تدخلوا قلوب ذلك الجيش العظيم الرعب الذي كان سبب هزيمتهم التي كانت سبب قتل من قتلتم ، لضعفكم عن مقاومتهم في العادة ، وفيه مع ذلك زجر لهم عن أن يقول أحد منهم على وجه الافتخار : قتلت كذا وكذا رجلا وفعلت كذا (وَلكِنَّ اللهَ) أي الذي له الأمر كله فلا يخرج شيء عن مراده (قَتَلَهُمْ) أي بأن هزمهم لكم لما رأوا الملائكة وامتلأت أعينهم من التراب الذي رماهم به صلىاللهعليهوسلم وقلوبهم جزعا حتى تمكنتم من قتلهم خرق عادة كان وعدكم بها ، فصدق مقاله وتمت أفعاله.
ولما رد ما باشروه إليه سبحانه ، أتبعه ما باشره نبيه صلىاللهعليهوسلم دلالة على ذلك لأنه صلىاللهعليهوسلم لما رأى قريشا مقبلة قال : اللهم! هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك ، فقال جبرائيل عليهالسلام : خذ قبضة من تراب فأرمهم بها ، ففعل فملأت أعينهم فانهزموا (١) فقال : (وَما رَمَيْتَ) أي يا سيد المؤمنين الرمل في أعين الكفار (إِذْ
__________________
(١) انظر سيرة ابن هشام ٢ / ١٩٩ باب الرسول يرمي المشركين بالحصباء ، والدر المنثور ٣ / ١٧٥.
ـ وصح عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه رمى التراب في وجوه المشركين في غزوة حنين انظر مسلم ١٧٧٧.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
