بالسجود ، ولما كانت العبادة ناشئة عن انتفاء الاستكبار ، وكانت على قسمين : قلبية وجسمانية ، أشار إلى القلبية بالتنزيه ، وإلى الجسمانية بالسجود ، وهو الحال الذي يكون العبد به عند ربه كالملائكة قربا وزلفى «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» نبه عليه أبو حيان على أن العبادتين مرجعهما القلب ، وإحداهما مدلول عليها بالقول والأخرى بالفعل ، وقد رجع آخر السورة في الأمر باتباع القرآن إلى أولها أحسن رجوع ، ولوصف المقربين بعدم الاستكبار والمواظبة على وظائف الخضوع إلى وصف إبليس بعصيان أمر الله في السجود لآدم عليهالسلام على طريق الاستكبار أيّ التفات ، بل شرع في رد المقطع على المطلع حين أتم قصص الأنبياء ، فقوله (وَلَقَدْ ذَرَأْنا) [الأعراف : ١٧٩] هو قوله : (وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً) [الأعراف : ٥٨] يتضح لك ذلك إذا راجعت ما قدمته في المراد منها (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها) [الأعراف : ١٨٠] هو ـ (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) و (مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِ) [الأعراف : ١٨٠] ـ هو (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ) [الأعراف : ٤٢] (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها) [الأعراف : ٣٦] (وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ) [الأعراف : ١٨٥] هو إذا (جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ) [الأعراف : ٣٤] و (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ) [النازعات : ٤٢] هو (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) [الأعراف : ٢٩] و (لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) [الأعراف : ٢٤] و (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) [الأعراف : ١٨٩] (لَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ) [الأعراف : ١١] (إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي) [الأعراف : ٢٠٣] ـ إلى آخرها بعد التنفير من الأنداد ـ هو كتب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ـ إلى قوله : (وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ) [الأعراف : ٣] فسبحان من هذا كلامه ، وتعالى حجابه وعز مرامه ، وعلى من أنزل عليه صلاته وسلامه ، وتحيته وإكرامه.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
