فوق المقدار «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا» (١) فإن المقصود حصول الذكر اللساني ليعين الذكر القلبي ، والمقصود حاصل بإسماع النفس فإنه يتأثر الخيال فيتقوى الذكر القلبي ، ولا تزال الأنوار تتزايد فينعكس تراجع بعضها إلى بعض حتى يزداد الترقي من ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار مدبر النور والظلام.
ولما أمر بالذكر مكيفا له بكيفيته اللائقة به ، أمره صلىاللهعليهوسلم بالمداومة عليه ذاكرا أحسن الأوقات له وأحقها به ، لكونها لما فيها من الشغل ـ أدل على إيثاره لمزيد المحبة والتعظيم فقال : (بِالْغُدُوِّ) أي أوقات البكر ، ولعله أفرده على جعله مصدر غدا ، لأنه ما ثم إلا صلاة الصبح ، وجمع ما بعده للعصرين والمغرب فقال : (وَالْآصالِ) أي أوقات العشاء ، وقيل : الغدو وجمع غدوة ، فيراد حينئذ مع الصبح الضحى ، وآخر كل نهار متصل بأول ليلة اليوم الثاني فسمي آخر اليوم أصيلا لأنه يتصل بما هو أصل اليوم الثاني ، وخص هذين الوقتين وإن كان المراد الدوام بتسمية كل من اليوم والليل باسم جزئه ، ليذكر بالغدو الانتشار من الموت ، وبالأصيل السكون بالموت والرجوع إلى حال العدم فيستحضر بذلك جلال الله عزوجل فيكون ذلك حاويا على تعظيمه حق تعظيمه.
ولما كان ربما أوهم هذا الخصوص بهذين الوقتين وإن كان ظاهرا في الدوام ، قال مصرحا : (وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ) أي في وقت غيرهما ، بل كن ذاكره في كل وقت على كل حال ؛ ثم علل الأمر بالمراقبة الدالة على أعظم الخضوع بأنها وظيفة المقربين فقال : (إِنَّ الَّذِينَ) وزاد ترغيبا في ذلك بقوله : (عِنْدَ رَبِّكَ) أي المحسن إليك بتقريبك من جنابه وجعلك أكرم أحبابه ، وهم الملائكة الكرام أولو العصمة ، والقرب دنو مكانة لا مكان (لا يَسْتَكْبِرُونَ) أي لا يوجدون ولا يطلبون الكبر (عَنْ عِبادَتِهِ) أي الخضوع له والتلبس بانحاء التذلل مع مزيد قربهم وغاية طهارتهم وحبهم (وَيُسَبِّحُونَهُ) أي ينزهونه عن كل ما لا يليق مع خلوصهم عن دواعي الشهوات والحظوظ.
ولما كان هذا يرجع إلى المعارف ، وقدمه دلالة على أن الأصل في العبادة أعمال القلوب ، أردفه بقوله : (وَلَهُ) أي وحده (يَسْجُدُونَ) أي يخضعون بإثباتهم له كل كمال ، وبالمباشرة لمحاسن الأعمال ، وقد تضمنت الآية الإخبار عن الملائكة الأبرار بثلاثة أخبار : عدم الاستكبار الذي هو أجل أنواع العبادة إذ هو الحامل على الطاعة كما أن ضده حامل على المعصية ، والتسبيح الذي هو التنزيه عن كل ما لا يليق ، وتخصيصه
__________________
(١) أخرجه البخاري ٦٦١٠ و ٢٩٩٢ و ٦٣٨٤ ومسلم ٢٧٠٤ وأبو داود ١٥٢٦ ـ ١٥٢٨ والترمذي ٣٤٦١ وابن ماجه ٣٨٢٤ وأحمد ٤ / ٤١٨ و ٤٠٣ و ٤١٧ من حديث أبي موسى الأشعري.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
