للمجاوزة وصل خطى القدام والخلف ليكون إتيانه مستوعبا لجميع الجهة المحيطة ، وأفهمت الجهات الأربع قدحه وتلبيسه فيما يعلمونه حق علمه وما يعلمون شيئا منه وما هو مشتبه عليهم اشتباها قليلا أو كثيرا ، وهم من ترك ذكره الأعلى أنه لا قدرة له على الإتيان منه لئلا يلتبس أمره بالملائكة ، وقد ذكر ذلك في بعض الآثار كما ذكره في ترجمة ورقة بن نوفل رضي الله عنه.
ولما عزم اللعين على هذا عزما صادقا ورأى أسبابه ميسرة من الإنظار ونحوه ، ظن أنه بما رأى لهم من الشهوات والحظوظ يظفر بأكثر حاجته ، فقال عاطفا على ما تقديره : فلأغوينهم وليتبعنني : (وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ) كما هي عادة الأكثر في الخبث (شاكِرِينَ) فأريد به الشقاء فأغرق في الحسد ، ولو أريد بالشقي الخير لاستبدل بالحسد الغبطة فطلب أن يرتقي هو إلى درجاتهم العالية بالبكاء والندم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة خضوعا لمقام الربوبية وذلا لعظيم شأنه.
ولما كان كأنه قيل : ماذا قال له؟ قيل : (قالَ) في جواب ما ذكر لنفسه في هذا السياق من القوة والاقتدار وأبان عنه من الكبر والافتخار ما دل على أنه من أهل الصغار ، لا يقدر على شيء إلا بإقرار العزيز الجبار ، مصرحا بما أريد من الهبوط الذي ربما حمل على النزول من موضع من الجنة عال إلى مكان منها أحط منه (اخْرُجْ مِنْها) أي الجنة (مَذْؤُماً) أي محقورا مخزيا بما تفعل ، قال ابن القطاع : ذأمت الرجل : خزيته ، وقال ابن فارس : ذأمته ، أي حقرته (مَدْحُوراً) أي مبعدا مطرودا عن كل ما لا أريده.
ولما علم بعض حاله ، تشوفت النفس إلى حال من تبعه ، فقال مقسما مؤكدا بما يحق له من القدرة التامة والعظمة الكاملة : (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ) أي بني آدم ، وأجاب القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال : (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ) أي منك ومن قبيلك ومنهم (أَجْمَعِينَ) أي لا يفوتني منكم أحد ، فلم يزل من فعل ذلك منكم على أذى نفسه ولا أبالي أنا بشيء.
ولما أوجب له ما ذكر من الشقاوة تماديه في الحسد وكثرة كلامه في محسوده ، التفت إلى محسوده الذي لم يتكلم فيه كلمة واحدة ، بل اشتغل بنفسه في البكاء على ذنبه ، واكتفى بفعل ربه بما ينجيه من حبائل مكره التي نصبها بما ذكر ، ليكون ذلك سبب سعادته ، فقال عطفا على (اخْرُجْ مِنْها : وَيا آدَمُ اسْكُنْ) ولما كان المراد بهذا الأمر هو نفسه لا التجوز به عن بعض من يلابسه ، أكد ضميره لتصحيح العطف ورفع التجوز فقيل : (أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ).
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
