ولما كان السياق هنا للتعريف بأنه مكن لأبينا في الجنة أعظم من تمكينه لنا في الأرض بأن حباه فيها رغد العيش مقارنا لوجوده ؛ ثم حسن في قوله : (فَكُلا) العطف بالفاء الدال على أن المأكول كان مع الإسكان ، لم يتأخر عنه ، ولا منافاة بينه وبين التعبير بالواو في البقرة ، لأن مفهوم الفاء نوع داخل تحت مفهوم الواو ، ولا منافاة بين النوع والجنس ، وقوله : (مِنْ حَيْثُ شِئْتُما) بمعنى رغدا أي واسعا ، فإنه يدل على إباحة الأكل من كل شيء فيها غير المنهي عنه ، وأما آية البقرة فتدل على إباحة الأكل منها في أيّ مكان كان ، وهذا السياق إلى آخره مشير إلى أن من خالف أمره تعالى ثل عرشه وهدم عزه وإن كان في غاية المكنة ونهاية القوة كما أخرج من أعظم له المكنة بإسجاد ملائكته وإسكان جنته وإباحة كل ما فيها غير شجرة واحدة ؛ أكد تحريمها بالنهي عن قربانها دون الاكتفاء بالنهي عن غشيانها فقال : (وَلا تَقْرَبا) أي فضلا عن أن تتناولا (هذِهِ الشَّجَرَةَ) مشيرا إلى شجرة بعينها أو نوعها ؛ ثم سبب عن القربان العصيان ، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه فقال : (فَتَكُونا) أي بسبب قربها (مِنَ الظَّالِمِينَ) أي بالأكل منها الذي هو مقصود النهي فتكونا بذلك فاعلين فعل من يمشي في الظلام ؛ ثم سبب عن ذلك بيان حال الحاسد مع المحسودين فيما سأل الإنظار بسببه ، وأنه وقع على كثير من مراده واستغوى منهم أمما تجاوزوا الحد وقصر عنهم مدى العد ؛ ثم بين أنه أقل من أن يكون له فعل ، وأن الكل بيده سبحانه ، هو الذي جعله آلة لمراده منه ومنهم ، وأن من يهد الله فهو المهتدي ، ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ، فقال : (فَوَسْوَسَ) أي ألقى في خفاء وتزيين وتكرير واشتهاء (لَهُمَا الشَّيْطانُ) أي بما مكنه الله منه من أنه يجري من الإنسان مجرى الدم ويلقى له في خفاء ما يميل به قلبه إلى ما يريد ؛ ثم بين علة الوسوسة بقوله : (لِيُبْدِيَ) أي يظهر (لَهُما ما وُورِيَ) أي ستر وغطي بأن جعل كأنه وراءهما لا يلتفتان إليه (عَنْهُما) والبناء للمفعول إشارة إلى أن الستر بشيء لا كلفة عليهما فيه كما يأتي في قوله (يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما) [الأعراف : ٢٧] و (مِنْ سَوْآتِهِما) أي المواضع التي يسوءهما انكشافها ، وفي ذلك أن إظهار السوءة موجب للبعد من الجنة وأن بينهما منفية الجمع وكمال التباين.
ولما أخبر بالوسوسة وطوى مضمونها مفهما أنه أمر كبير وخداع طويل ، عطف عليه قوله : (وَقالَ) أي في وسوسته أيضا ، أي زين لهما ما حدث بسببه في خواطرهما هذا القول : (ما نَهاكُما) وذكرهما بوصف الإحسان تذكيرا بإكرامه لهما تجرئة لهما على ما يريد منهما فقال : (رَبُّكُما) أي المحسن إليكما بما تعرفانه من أنواع إحسانه (عَنْ) أي ما جعل نهايتكما في الإباحة للجنة متجاوزة عن (هذِهِ الشَّجَرَةِ) جمع بين الإشارة
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
