اسْكُنُوا) أي ادخلوا مطمئنين على وجه الإقامة ، ولا يسمى ساكنا إلا بعد التوطن بخلاف الدخول ، فإنه يكون بمجرد الولوج في الشيء على أيّ وجه كان (هذِهِ الْقَرْيَةَ) فهو دليل آخر على الأمرين : الصرف والصدق ؛ وعبر هنا بالمجهول في (قِيلَ) إعراضا عن تلذيذهم بالخطاب إيذانا بأن هذا السياق للغضب عليهم بتساقطهم في الكفر وإعراضهم عن الشكر ، من أيّ قائل كان وبأيّ صيغة ورد القول وعلى أيّ حالة كان ، وإظهارا للعظمة حيث كانت ، أدنى إشارة منه كافية في سكناهم في البلاد واستقرارهم فيها قاهرين لأهلها الذين ملؤوا قلوبهم هيبة حتى قالوا (إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها) [المائدة : ٢٤].
ولما خلت نعمة الأكل في هذا السياق عما دعا إليه سياق البقرة من التعقيب وهو الاستعطاف ، ذكرت بالواو الدالة على مطلق الجمع ، وهي لا تنافي تلك ، فقال : (وَكُلُوا مِنْها) أي القرية (حَيْثُ شِئْتُمْ) وأسقط الرغد لذلك ، وقدم (وَقُولُوا حِطَّةٌ) ليكون أول قارع للسمع مما أمروا به من العبادة مشعرا بعظيم ما تحملوه من الآثام ، إيذانا بما سيقت له هذه القصص في هذه السورة من المقام.
ولما أمروا بالحطة قولا ، أمروا أن يشفعوها بفعل ، لتحط عنهم ذنوبهم ، ولا ينافي التقديم هنا التأخير في البقرة ، لأن الواو لا ترتب ، فقال : (وَادْخُلُوا الْبابَ) أي باب بيت المقدس حال كونكم (سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ) ولما كان السياق هنا لبيان إسراعهم في الكفر ، ناسب ذلك جمع الكثرة في قوله : خطاياكم في قراءة أبي عمرو ، وأما قراءة ابن عامر خطيتكم بالإفراد وقراءة غيرهما (خَطِيئاتِكُمْ) جمع قلة فللإشارة إلى أنها قليل في جنب عفوه تعالى ، وكذا بناء (تغفر) للمجهول تأنيثا وتذكيرا ، كل ذلك ترجية لهم واستعطافا إلى التوبة ، ولذلك ساق سبحانه ما بعده مساق السؤال لمن كأنه قال : هذا الرجاء قد حصل ، فهل مع المغفرة من كرامة؟ فقال : (سَنَزِيدُ) أي بوعد لا خلف فيه عن قريب ، وهو لا ينافي إثبات الواو في البقرة (الْمُحْسِنِينَ) أي العريقين في هذا الوصف ، وللسياق الذي وصفت قيد قوله : (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) بقوله : (مِنْهُمْ) لئلا يتوهم أنهم من الدخلاء فيهم (قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي).
ولما كان من المعلوم أن القائل من له إلزامهم ، بناه للمجهول فقال : (قِيلَ لَهُمْ) وقال : (فَأَرْسَلْنا) أي بما لنا من العظمة (عَلَيْهِمْ) بالإضمار تهويلا لاحتمال العموم بالعذاب (رِجْزاً مِنَ السَّماءِ) ولفظ الظلم ـ في قوله : (بِما كانُوا يَظْلِمُونَ) بما يقتضيه من أنهم لا ينفكون عن الكون في الظلام إما مطلقا وإما مع تجديد فعل فعل من
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
