طلبوا منه ذلك على الوجه المذكور في البقرة من إظهار القلق والدمدمة (أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ) أي التي جعلناها لك آية وضربت بها البحر فانفلق (الْحَجَرَ) أي أيّ حجر أردته من هذا الجنس ؛ وبين سبحانه سرعة امتثال موسى عليهالسلام وسرعة التأثير عن ضربه بحذف : فضربه ، وقوله مشيرا إليه : (فَانْبَجَسَتْ) أي فانشقت وظهرت ونبعت ، وذلك كاف في تعنيفهم وذمهم على كفرهم بعد المن به ، وهذا السياق الذي هو لبيان إسراعهم في المروق هو لا ينافي أن يكون على وجه الانفجار ، ويكون التعنيف حينئذ أشد (مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً) على عدد الأسباط ، وأشار إلى شدة تمايزها بقوله ؛ (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ) أي من الأسباط (مَشْرَبَهُمْ) ولما لم يتقدم للأكل ذكر ولا كان هذا سياق الامتنان ، لم يذكر ما أتم هذه الآية به في البقرة.
ولما ذكر تبريد الأكباد بالماء ، أتبعه تبريدها بالظل فقال : (وَظَلَّلْنا) أي في التيه (عَلَيْهِمُ الْغَمامَ) أي لئلا يتأذوا بالشمس ؛ ولما أتم تبريد الأكباد ، أتبعه غذاء الأجساد فقال : (وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَ) أي خبزا (وَالسَّلْوى) أي إداما ؛ وقال السموأل بن يحيى : وهو طائر صغير يشبه السمانى ، وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية ، يموت إذا سمع صوت الرعد كما أن الخطاف يقتله البرد ، فيلهمه الله عزوجل أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون بها مطر ولا رعد إلى انفصال أوان المطر والرعد ، فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض.
ولما ذكر عظمته في ذلك ، ذكر نتيجته فقال : (كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ) أي بصفة العظمة القاهرة لما نريد مما لم تعالجوه نوع معالجة ، ودل على أنهم قابلوا هذا الإحسان بالطغيان والظلم والعدوان بقوله عطفا على ما تقديره : فعدلوا عن الطيبات المأذون فيها ، وأكلوا الخبائث التي حرمناها عليهم بالاصطياد يوم السبت ـ كما يأتي ـ وفعلوا غير ذلك من المحرمات ، فظلموا أنفسهم بذلك : (وَما ظَلَمُونا) أي بشيء مما قابلوا فيه الإحسان بالكفران (وَلكِنْ كانُوا) أي دائما جبلة وطبعا (أَنْفُسَهُمْ) أي خاصة (يَظْلِمُونَ) وهو ـ مع كونه من أدلة (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ) الآية ـ دليل على صحة وصف هذا الرسول بالنبي ، فإن من علم هذه الدقائق من أخبارهم مع كونه أميا ولم يخالط أحدا من أحبارهم ، كان صادقا عن علام الغيوب من غير مؤيد وكذا ما بعده.
ولما ذكر ما حباهم به في القفار ، أتبعه إنعامه عليهم عند الوصول إلى الدار فقال : (وَإِذْ) أي اذكر لهم هذا ليصدقوك أو يصيروا في غاية الظلم كأصحاب السبت فيتوقعوا مثل عذابهم ، واذكر لهم ما لم تكن حاضره ولا أخذته عنهم ، وهو وقت إذ ، وعدل عن الإكرام بالخطاب ونون العظمة ، لأن السياق للإسراع في الكفر فقال : (قِيلَ لَهُمُ
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
