إلى أن الخبيث أكثر من الطيب في كل مائي الأصل فقال : (الْخَبائِثَ) أي كل ما يستخبثه الطبع السليم أو يؤدي إلى الخبث كالخمر المؤدية إلى الإسكار والرشى المؤدية إلى النار بعد قبيح العار (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ) أي ثقلهم الذي كان حمل عليهم فجعلهم لثقله كالمحبوس الممنوع من الحركة (وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ) أي جميع ما حملوه من الأثقال التي هي لثقلها وكراهة النفوس لها كالغل الذي يجمع اليد إلى العنق فيذهب القوة (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ) أي أوجدوا بسببه الأمان من التكذيب بشيء من آيات الله (وَعَزَّرُوهُ) أي منعوه من كل من يريده بسوء وقووا يده تقوية عظيمة على كل من يكيده : قال في القاموس : والتعزير : ضرب دون الحد أو هو أشد الضرب ، والتفخيم والتعظيم ضد ، والإعانة كالعزر والتقوية والنصر ـ انتهى. وقال عبد الحق : العزر : المنع ، تقول : عزرت فلانا عن كذا ، أي منعته ـ انتهى. فالمادة كلها تدور على هذا المعنى والضرب واضح فيه والتعظيم وما في معناه منع من يكيده (وَنَصَرُوهُ) أي أيدوه وقمعوا مخالفه (وَاتَّبَعُوا النُّورَ) أي الوحي من القرآن والسنة (الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ) أي مصاحبا إنزاله إرساله ، سمي نورا لأنه يجعل المقتدي به ببيان طريق الحق كالماشي في ضوء النهار (أُولئِكَ هُمُ) أي خاصة (الْمُفْلِحُونَ) أي الفائزون بكل مأمول.
ولما تراسلت الآي وطال المدى في أقاصيص موسى عليهالسلام وبيان مناقبه العظام ومآثره الجسام ، كان ذلك ربما أوقع في بعض النفوس أنه أعلى المرسلين منصبا وأعظمهم رتبة ، فساق سبحانه هذه الآيات هذا السياق على هذا الوجه الذي بين أن أعلاهم مراتب وأزكاهم مناقب الذي خص برحمته من يؤمن به من خلقه قوة أو فعلا ، وجعل سبحانه ذلك في أثناء قصة بني إسرائيل اهتماما به وتعجيلا له مع ما سيذكر مما يظهر أفضليته ويوضح أكمليته بقصته مع قومه في مبدإ أمره وأوسطه ومنتهاه في سورتي الأنفال وبراءة بكمالها.
ذكر شيء من الآصار التي كانت عليهم وخففت عنهم لو دخلوا في الإسلام ببركته صلىاللهعليهوسلم غير ما أسلفته في آخر البقرة عند قوله تعالى (وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً) [البقرة : ٢٨٦] وفي المائدة عند قوله تعالى (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ) [المائدة : ٤٧] قال في السفر الثاني من التوراة : وقال الرب لموسى : اعمد فخذ طيبا ـ إلى أن قال : وليكن معجونا طيبا للقدس ودقه واسحقه وبخر منه قدام تابوت الشهادة في قبة الزمان لأواعدك إلى هناك ، ويكون عندكم طهرا مخصوصا ، وأيما رجل اتخذ مثله ليتبخر به فليهلك ذلك الرجل من شعبه ؛ وقال في الثالث : ثم كلم الرب موسى قال له ؛ كلم هارون وبنيه وجماعة بني إسرائيل وقل لهم ؛ هذا ما أمرني به الرب أن أخبركم ، أي رجل من بني
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
