كرامته ومعدن سعادته وإسكانه هو بذلك المحل الأعلى والموطن الأسنى مأذونا له في كل ما فيه إلا شجرة واحدة ، فلما خالف الأمر أزاله عنه وأخرجه منه ؛ وفي ذلك تحذير لأهل المكنة من إزالة المنة في استدرار النعمة وإحلال النقمة فقال : (وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ) أي بما لنا من صفات العظمة (ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ) أي قدرنا خلقكم ثم تصويركم بأن جعلنا فيكم قابلية قريبة من ذلك بتخصيص كل جزء من المادة بمقداره المعين بتخمير طينة آدم عليهالسلام على حالة تقبل ذلك كما يهيأ التراب بتخميره بإنزال المطر لأن يكون منه شجرة ، وقد تكون تلك الشجرة مهيأة لقبول صورة الثمرة وقد لا تكون كما قال تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ) [المؤمنون : ١٢ ـ ١٤] وقال النبي صلىاللهعليهوسلم كما في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح» (١) وعنه أيضا رضي الله عنه عند مسلم قال : سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : «إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ، ثم قال : يا رب! أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك» (٢) الحديث. فظاهر هذا الحديث مخالف للفظ الذي قبله وللآية ، فيحمل على أن معنى صورها : هيأها في مدة الأربعين الثانية لقبول الصورة تهيئة قريبة من الفعل ، وسهل أولها بالتخمير على هيئة مخصوصة بخلاف ما قبل ذلك ، فإنها كانت نطفة فكانت بعيدة عن قبول الصورة ، ولذلك اختلفوا في احترامها وهل يباح إفسادها والتسبب في إخراجها ، ومعنى «خلق» : قدر أي جعل لكل شيء من ذلك حدا لا يتجاوزه في الجملة ، والدليل على هذا المجاز شكه في كونها ذكرا أو أنثى ، ولو كان ذلك على ظاهره لما حصل شك في كونها ذكرا أو أنثى إذ آلة الذكر والأنثى من جملة الصورة ، وبهذا تلتئم هذه الآية مع قوله تعالى (إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ) [ص : ٧١] فهذا خلق بالفعل ، والذي في هذه السورة بإيداعه القوة المقربة منه ، والمراد من الآية التذكير بالنعم استعطافا إلى المؤالفة وتفظيعا بحال المخالفة ، أي
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٧٤٥٤ و ٣٢٠٨ ومسلم ٢٦٤٣ وأبو داود ٤٧٠٨ والترمذي ٢١٣٧ وابن ماجه ٧٦ وابن حبان ٦١٧٤ والطيالسي ٢٩٨ وأبو يعلى ٥١٥٧ وابن أبي عاصم في السنة ١٧٥ و ١٧٦ وأحمد ١ / ٤١٤ من حديث ابن مسعود
(٢) صحيح. أخرجه مسلم ٢٦٤٥ وابن حبان ٦١٧٧ والطبراني ٣٠٣٦ و ٣٠٤٣ وابن أبي عاصم ١٧٧ و ١٧٩ و ١٨٠ وأحمد ٤ / ٧٠٦ من حديث ابن مسعود.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
