ولما أخبر أن العبرة بالميزان على وجه يظهر أنه لا حيف فيه بوجه ، تسبب عنه قوله : (فَمَنْ ثَقُلَتْ) أي دست ورسبت على ما يعهد في الدنيا (مَوازِينُهُ) أي موزونات أعماله ، أي أعماله الموزونة ، ولعله عبر بها عنها إشارة إلى أن كل عمل يوزن على حدة ليسعى في إصلاحه (فَأُولئِكَ) أي العالو الهمم (هُمُ) أي خاصة (الْمُفْلِحُونَ) أي الظاهرون بجميع مآربهم (وَمَنْ خَفَّتْ) أي طاشت (مَوازِينُهُ) أي التي توزن فيها الأعمال الصالحة (فَأُولئِكَ) المبعدون (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) أي التي هي رأس مالهم فكيف بما دونها (بِما كانُوا بِآياتِنا) أي على ما لها من العظمة (يَظْلِمُونَ) أي باستمرار ما يجددونه من وضعها في غير المحل الذي يليق بها فعل من هو في ظلام ؛ قال الحسن : وحق لميزان توضع فيه الحسنات أن يثقل ، وحق لميزان توضع فيه السيئات أن يخف.
ولما أمر الخلق بمتابعة الرسل وحذرهم من مخالفتهم ، فأبلغ في تحذيرهم بعذاب الدنيا ثم بعذاب الآخرة ، التفت إلى تذكيرهم ترغيبا في ذلك بإسباغ نعمه وتحذيرا من سلبها ، لأن المواجهة أردع للمخاطب ، فقال في موضع الحال من (خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ : وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ) أي خسروها والحال أنا مكناكم من إنجائها بخلق القوى والقدر وإدرار النعم ، وجعلنا مكانا يحصل التمكن فيه (فِي الْأَرْضِ) أي كلها ، ما منها من بقعة إلا وهي صالحة لا نتفاعهم بها ولو بالاعتبار (وَجَعَلْنا لَكُمْ) أي بما لنا من العظمة (فِيها مَعايِشَ) أي جميع معيشة ، وهي أشياء يحصل بها العيش ، وهو تصرف أيام الحياة بما ينفع ، والياء أصلية فلذا لا تهمز ، وكذا ما ولي ألف جمعه حرف علة أصلي وليس قبل ألفه واو كأوائل ولا ياء كخيائر جمع أول وخير فإنه لا يهمز إلا شاذا كمنائر ومصائب جمع منارة ومصيبة.
ولما كان حاصل ما مضى أنه سبحانه أوجدهم وقوّاهم وخلق لهم ما يديم قواهم ، فأكلوا خيره وعبدوا غيره ، أنتج قوله على وجه التأكيد : (قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ) أي لمن أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة بما تنجون به أنفسكم ؛ وقال أبو حيان : إنه راجع للذين خوطبوا ب (اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) [الأعراف : ٣] وما بينهما أورد مورد الاعتبار والاتعاظ بذكر ما آل إليه أمرهم في الدنيا وما يؤول إليه في الآخرة ـ انتهى.
ولما ذكر سبحانه ما منحهم به من التمكين ، ذكّرهم ما كانوا عليه قبل هذه المكنة من العدم تذكيرا بالنعم في سياق دال على البعث الذي فرغ من تقريره ، وعلى ما خص به أباهم آدم عليهالسلام من التمكين في الجنة بالخلق والتصوير وإفاضة روح الحياة وروح العلم وأمر أهل سماواته بالسجود له والغضب على من عاداه وطرده عن محل
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
